كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

وكانوا يقدّمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرّد إلى وقتٍ واحد، وردّ الوقوف إلى عرفة، فأخبر اللَّه تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإنهما ينافيان النسك ويضادانه، وأن قوله: "قد أخبر الله تعالى أنه قد ارتفع الخلاف" إخبار عن الكائن، يعني: كانوا ينسئون في الحج، وبسببه يقع الشك والخلاف في الحج، والآن قد ارتفع الخلاف بظهور الحق، فوافقه معنى ما روينا عن الشيخين، عن أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً ... " الحديث، فاقتضى الأمران الأولان لذلك النهي، والأخير الإخبار.
قوله: (وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء). الجوهري: النسيء: فعيل بمعنى مفعول، من قولك: نسأت الشيء فهو منسوء: إذا أخرته، ثم يحول منسوء إلى نسيء كما يحول مقتول إلى قتيل، وذلك أنهم كانوا إذا صدروا من منى يقوم رجل من كنانة فيقول: أنا الذي لا يرد لي قضاء، فيقولون: أنسئنا شهراً، أي: أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر، لأنهم كانوا يكرهون أن تتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا يغيرون فيها؛ لأن معاشهم كان من الغارة، فيحل لهم المحرم. وقال غيره: كان أهل الجاهلية ينسئون الحج في كل عامين من شهر إلى آخر، ويجعلون الشهر الذي أنسئوا فيه ملغى، فتكون تلك السنة ثلاثة عشر شهراً، ويتركون العام الثاني على ما كان عليه الأول سوى أن الشهر الملغى في الأول لا يكون في العام الثاني، ثم يصنعون في العام الثالث صنيعهم في الأول، ويتركون الرابع على ما تركوا عليه العام الثاني، وعلى هذا تمام الدورن فيستدير حجهم في كل خمس وعشرين سنة إلى الشهر الذي بدأ منه، ولهذا تخبط عليهم حساب السنة، وكانت السنة التي حج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع هي السنة التي كان الحج فيها في ذي الحجة، ذكره التوربشتي في "شرحه"، وسيجيء رواية "شرح السنة" في "براءة". وقول المصنف: "يقدمون الحج سنة ويؤخرون سنة" محمول على ما ذكرنا، لأن في بعض هذه الأحوال يقع قبل ذي الحجة، وفي بعضها بعدها.

الصفحة 293