كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)
و"الْمَشْعَرِ الْحَرامِ": قزح، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة. وقيل: المشعر الحرام: ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام.
والصحيح أنه الجبل؛ لما روى جابر رضى اللَّه عنه: أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم لما صلى الفجر - يعني بالمزدلفة- بغلسٍ ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر- أو هلل- ولم يزل واقفا حتى أسفر. وقوله تعالى: (عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ) معناه: مما يلي المشعر الحرام قريباً منه، وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة، وإلا فالمزدلفة كلها موقفٌ إلا وادي محسر. أو جعلت أعقاب المزدلفة؛ لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر. والمشعر: المعلم؛ لأنه معلم العبادة، ووصف بالحرم لحرمته. وعن ابن عباس رضي اللَّه عنه: أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون. وقيل: سميت المزدلفة وجمعاً؛ لأنّ آدم صلوات اللَّه عليه اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها، أي: دنا منها. وعن قتادة: لأنه يجمع فيها بين الصلاتين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الميقدة)، المغرب: هي بالمشعر الحرام على قزح، كان أهل الجاهلية يوقدون عليها النار.
قوله: (مأزمي عرفة)، الجوهري: المأزم: كل طريق ضيق بين جبلين، ومنه سمي الموضع الذي بين المشعر وبين عرفة مأزمين. النهاية: كأنه من الأزم: القوة والشدة، والميم زائدة.
قوله: (أو جعلت أعقاب المزدلفة) عطف على قوله: "معناه: مما يلي المشعر الحرام"، و"عند المشعر": مفعول ثان لـ "جعلت"، يريد أن المشعر الحرام موضع مخصوص، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام، وقد شرط أن يذكر الله عنده، وليس كذلك؛ لأن المزدلفة كلها موضع للذكر وموقف للناس، واوله بتأويلين، أحدهما: أن تخصيص ذكره مع الجواز في كل المواضع لشرفه،