كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

ويجوز أن يقال: وصفت بفعل أهلها؛ لأنهم يزدلفون إلى اللَّه، أي: يتقرّبون بالوقوف فيها. (كَما هَداكُمْ) "ما" مصدرية أو كافة. والمعنى: واذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة، واذكروه كما علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه، (وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ) من قبل الهدى (لَمِنَ الضَّالِّينَ) الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإليه الإشارة بقوله: "وذلك للفضل، كالقرب من جبل الرحمة"، وثانيهما: أنه سمى كل المزدلفة ببعضه، ويرجع حاصله إلى شرفه أيضاً؛ لأن الشرط في إطلاق الجزء على الكل أن يكون الجزء أشرفه، ومما يدل على أن المزدلفة كلها موقف: ما روينا عن أبي داود عن علي رضي الله عنه، قال: لما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقف على قزح فقال: "هذا قزح، وهو الموقف، وجمع كلها موقف".
قوله: (أو اذكروه كما علمكم)، "أو": ليس لترديد معنى "ما" في كونها مصدرية أو كافة على طريقة اللف والنشر؛ لأنه لا يتغير معناها في الوجهين، بل لترديد معنى (هَدَاكُمْ)، أي: الهداية: إما دلالة موصلة إلى البغية، أو بمعنى الدلالة المطلقة، ولهذا قال: "هداية حسنة"، وقال: "كما علمكم كيف تذكرونه"، والذكر الحسن: مشاهدة الذاكر المذكور وإخلاصه له في العبادة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه"، ومن ثم قال: "لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه"، حيث فسر الهداية بالعبادة.
قوله: (لا تعدلوا عنه) تفسير لقوله: "كيف تذكرون÷"، أي: علمكم كيف توحدونه بكلمة التوحيد فلا بعدلوا عن تعليمه إلى غيره، تلخيصه: ذلكم سبيل التوحيد فلا تعدلوا عنه لتهتدوا، وقوله: (وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ) تذييل لما سبق، وتقرير لمعناه. قال الزجاج: ومعنى: (وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ): التوكيد للأمر، كأنه قيل: وما كنتم من قبله إلا الضالين.

الصفحة 302