كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

وتعبدونه. و"إن" هي مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة. (ثُمَّ أَفِيضُوا): ثم لتكن إفاضتكم (مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) ولا تكن من المزدلفة؛ وذلك لما كان عليه الخمس من الترفع على الناس، والتعالي عليهم، وتعظمهم عن أن يساووهم في الموقف، وقولهم: نحن أهل اللَّه وقطان حرمه فلا نخرج منه، فيقفون بجمعٍ وسائر الناس بعرفات. فإن قلت: فكيف موقع "ثم"؟ قلت: نحو موقعها في قولك: أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم، تأتي بـ"ثم" لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره، وبعد ما بينهما؛ فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات قال: (ثم أفيضوا) لتفاوت ما بين الإفاضتين وأن إحداهما صواب والثانية خطأ .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لما كان عليه الحمس)، النهاية: الحمس: جمع الأحمس، وهم: قريش ومن ولدت قريش، وكنانة، وجديلة قيس، سموا حمساً لأنهم تحمسوا في دينهم، أي: تشددوا، والحماسة: الشجاعة، كانوا يقفون بمزدلفة ولا يقفون بعرفة، ويقولون: نحن أهل الله فلا نخرج من الحرم، وكانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها وهم محرمون.
قوله: (وأن إحداهما صواب): عطف تفسيري على قوله: "لتفاوت ما بين الإفاضتين"، يعني: أن الإفاضة من عرفات صواب ومن مزدلفة خطأ، وفي قوله نظر؛ لأن التفاوت إذا اعتبر بين الإفاضة من عرفات الدال عليه قوله: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ) وبين هذه الإفاضة وهي: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، فكلاهما صوابان، وإذا اعتبر بين الإفاضة من عرفات وبين الإفاضة من مزدلفة فهي غير مذكورة في التنزيل، فلا يصح العطف عليها بـ "ثم". وأيضاً، لا يقال بين الصواب والخطأ: إنهما متفاوتان في الرتبة؛ لأنهما متباينان.
والجواب: أن التفاوت هنا ليس في الرتبة، بل في مجرد أن إحداهما صواب والأخرى خطأ، ولما كان قوله: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) مراداً به التعريض، فكأنه قيل: لا تفيضوا من مزدلفة فإنه خطأ، فينطبق عليه مثال: "ولا تحسن إلى غير كريم"؛ لأن الإحسان إليه خطأ، وصح قوله: "وأن إحداهما صواب" أي: الإفاضة من عرفات، والثانية

الصفحة 303