كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 3)

قريش وسيدها، فهل لك أن لا تزال تُذكر بخيرٍ آخِرَ الدهر؟ قال: وما ذاك؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرمي، وما أصاب محمد من تلك العير ببطن نخلة، فإنكم لا تطلبون من محمد غير هذا الدم، قال عتبة: قد فعلت وأنت شاهد عليَّ بذلك، ووافقه أخوه شيبة ثم جلس عتبة على جمله وسار في المشركين من قريش يقول: يا قوم أطيعوني ولا تقاتلوا هذا الرجل، واعصِبُوا هذا الأَمر بي، وأنا أتحمل الدية وثمن العير، وقال لحكيم: اذهب إلى ابن الحنظلية -يعني أبا جهل- وقل له: هل لك أن ترجع إلى قومك مع ابنك؟ قال حكيم: فجئت إليه وهو في جماعة، وعامر بن الحضرمي يقول: قد فسخت عقدي من بني عبد شمس، وجعلته في بني مخزوم، فأبلغته ما قال عتبة، فقال: ما وجد رسولًا غيرك، ثم طلع على عتبة والشرُّ في وجهه وقال: انتفخ سحرك؟ فقال له عتبة: ستعلم. فسلَّ أبو جهل سيفه وضرب به متن فرسه، وكان إيماء بن رَحَضةَ حاضرًا، فقال لأبي جهل: بئس الفأل هذا (¬1).
وقد أخرج الإمام أحمد رحمه الله في "المسند" بمعناه فقال: خرج عتبة بن ربيعة على جمل أحمر وهو يقول لأصحابه: يا قوم، والله إني لأرى قومًا مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير، يا قومِ اعصبوها اليوم برأسي وقد علمتم نصحي وقولوا: جَبُن عتبة بن ربيعة، فقال له أبو جهل -لعنه الله في الدارين-: لو قال غيرك هذا لأَعْضَضْتُه بَظْر أمه، قد ملأت رئتك جوفَك رُعْبًا. فقال له عتبة: يا مُصَفِّرَ استه، ستعلم أينا الجبان (¬2).
ونظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عتبة فقال: إن يكن في القوم من يأمر بخير، فعسى صاحبُ الجملِ الأحمر، فقال له حمزة: هو عتبة بن ربيعة (¬3).
وقال خفاف بن إيماء بن رَحَضَةَ: ما كان شيءٌ أَحبَّ إلى أبي من إصلاح بين الناس، ولما سُقْتُ الجزائِرَ -يعني التي بعثها أبوه إلى قريش، وكان بعث إليهم عشر جزائر- لحقني أبي، فقبلوها ووزعوها، فمر أبي على عُتبة بن ربيعة وهو سيدُ الناس
¬__________
(¬1) الخبر في المصادر التالية: "السيرة" 2/ 193 - 194، "المغازي" 1/ 60، و"الطبقات الكبرى" 2/ 15، و"تاريخ الطبري" 2/ 442 - 443. وانتفخ سحره: عدا طوره وجاوز قدره.
(¬2) أخرجه أحمد في "مسنده" (948) من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
(¬3) أخرجه ابن أبي شيبة (37834)، وأحمد (948) من حديث علي - رضي الله عنه -.

الصفحة 204