كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 3)

ومر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل بشِعبٍ من أُحُد في عُدْوَة الوادي، وجعل ظهره إلى أُحد، وانخزل عبد الله بن أبي في ثلاث مئة ونَيِّفٍ -ثلثِ المسلمين- ورجع وهو يهدُرُ كالفَنيقِ (¬1) ويقول: أطاع الأحداث ومَن لا رأي له وعصاني، سيعلم، ثم قال: على ماذا نقتلُ أنفسَنا، ارجعوا أيها الناس. فرجع معه قومه أهل النفاق، وتبعه عبد الله بن عمرو بن حَرَام يناشده الله، ويقول: قاتلوا عن حَوْزَتكم، فما رجع، فقال له: أَبْعَدَكَ الله يا عدوَّ الله ومن معكم، الله يغني عنكم، فقال ابن أبي: لو نعلم قتالًا لاتَّبعناكم.
ولما رأت بنو سُلَيْم وبنو حارثة عبد الله بن أبي قد انخزل، همُّوا بالانصراف معه، وكانوا جناحَي العسكر، وفيهم نزل قوله تعالى: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا} الآية [آل عمران: 122]، ثم عصمهما الله تعالى (¬2).
وعقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الألوية، وكان لواء المهاجرين الأعظم يومئذ بيد مصعب بن عمير، ولواء الأوس بيد أسيد بن حضير، ولواء الخزرج بيد سعد بن عبادة، وقيل: بيد الحُباب بن المنذر (¬3).
وركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرسه، ولم يكن معه سوى فرسين أحدهما له، والأخرى لأبي بُرْدَة بن نِيار، وتَعبَّأَ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعُ مئة دارع، ثم تنكَّب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوسه، وأخذ بيده القناة وبين يديه مئة دارع، وأمّر عبد الله بن جبير على الرماة ورتب معه خمسين رجلًا من الرماة، وقال له: "انْضَح عنَّا الخيلَ بالنَّبْل، لا يَأتُونا مِن خَلفِنا، واثبُت مَكانَكَ سَواء كانت لنا أو علينا لا نُؤتى مِن قِبَلكِ، وأقم بأصل عَينَينِ (¬4)، فإنَّا لا نَزَال عَالِينَ ما ثَبَتُّم في مَكانِكُم ولم تفارقوا المَركز (¬5) ".
وأقبلت قريش وعلى ميمنتها خالد بن الوليد في الخيل، وقيل: صفوان بن أمية،
¬__________
(¬1) الفَنيق: الفحل المكرمُ من الإبل الذي لا يُركَب ولا يُهان لكرامته عليهم. اللسان: (فنق).
(¬2) انظر "تاريخ الطبري" 2/ 504، والمغازي 1/ 219، والطبقات 2/ 37.
(¬3) "أنساب الأشراف" 1/ 374.
(¬4) عينين: هضبة جبل أحد.
(¬5) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وانظر "السيرة" 3/ 18، و"تاريخ الطبري"2/ 507.

الصفحة 257