كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
ثُمَّ مَشَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِالنَّاسِ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى أَمْسَى، وَلَيْلَتَهُمْ حَتَّى أَصْبَحَ، وَصَدْرَ (¬1) يَوْمَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى آذَتْهُمُ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَزَلَ بِالنَّاسِ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ وَجَدُوا مَسَّ الأَرْضِ، فَوَقَعُوا نِيَامًا.
وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لِيَشْغَلَ النَّاسَ عَنِ الحَدِيثِ الذِي كَانَ بِالأَمْسِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ (¬2).
وَبِهَذَا التَّصَرُّفِ البَالِغِ الغَايَةَ فِي السِّيَاسَةِ الرَّشيدَةِ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَى الفِتْنَةِ قَضَاءً مُبْرَمًا، وَلَمْ يَدَعْ مَجَالًا لِلْحَدِيثِ فِيمَا قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ (¬3).
* نُزُولُ سُورَةِ المُنَافِقُونَ:
قَالَ زَيْدُ بنُ أَرْقَمٍ -رضي اللَّه عنه-: فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَدْ خَفَقْتُ (¬4) بِرَأْسِي مِنَ الهَمِّ، إِذْ أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَرَكَ (¬5) أُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي، فَمَا كَانَ يَسُرُّنِي أَنَّ لِيَ بِهَا الخُلْدَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه- لَحِقَنِي، فَقَالَ: مَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟
قُلْتُ: مَا قَالَ لِيَ شَيْئًا، إِلَّا أَنَّهُ عَرَكَ أُذُنِي، وَضَحِكَ فِي وَجْهِي.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه-: أَبْشِرْ، ثُمَّ لَحِقَنِي عُمَرُ -رضي اللَّه عنه-، فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ قَوْلي لِأَبِي
¬__________
(¬1) صَدْرَ كل شيء: أوَّلُه. انظر لسان العرب (7/ 299).
(¬2) انظر سيرة ابن هشام (3/ 319 - 320) - دلائل النبوة للبيهقي (4/ 53).
(¬3) انظر كتاب السِّيرة النَّبوِيَّة (2/ 255) للدكتور محمَّد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(¬4) يُقالُ: خفَقَ فلانًا خَفْقَة: إذا نامَ نومَةً خَفِيفة. انظر لسان العرب (4/ 157).
(¬5) عَرَكَ: دَلك. انظر لسان العرب (9/ 168).
الصفحة 100