كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

وَكَانَ صَفْوَانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ (¬1) مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ، فَأَدْلَجَ (¬2) فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي، فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي (¬3)، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ (¬4) حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ (¬5) وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدَيْهَا، فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ (¬6) فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّاسُ قَالُوا مَا قَالُوا، وَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الذِي تَوَلَّى الإِفْكَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ.
¬__________
(¬1) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 397): صفوانُ بن المعطَّل بفتح الطاء المهملة المشددة، وكان صحابيًا فاضلًا، أول مشاهده عند الواقدي الخندق، وعند ابن الكلبي المريسيع.
(¬2) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 397): أدْلَجَ: بسكون الدال في روايتنا، وهو كادّلج بتشديدها، وقيل: بالسكون سار فِي أوله، وبالتشديد سارَ من آخِرِه، وعلى هذا فيكون الذي هنا بالتشديد؛ لأنه كان فِي آخر الليل، وكأنه تأخر فِي مكانه حَتَّى قرب الصبح فركب ليظهر له ما يسقط من الجيش مما يُخْفِيه الليل.
(¬3) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 398): هذا يشعر بأن وجْهَهَا انكشف لما نَامَتْ؛ لأنه تقدم أنها تلفَّفت بجلبابها ونامَتْ، فلما انتبهت باسترجاع صفوان بادرت إِلَى تغطية وجهها.
(¬4) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 399): أي بقوله: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، وكأنه شَقَّ عليه ما جَرَى لعائشة، أو أنَّه اكتفى بالاسترجاع رافعًا به صوته عن مُخَاطَبَتِهَا بكلامٍ آخر صيانة لها عن المخاطبة فِي الجملة، وقد كان عمر -رضي اللَّه عنه- يَستعمِلُ التكبير عند إرادة الإيقاظ، وفيه دلالة على فِطْنَةِ صفوان وحُسْنِ أدبه -رضي اللَّه عنه-.
(¬5) خمَّرْتُ: أي غَطَّيْتُ. انظر النهاية (2/ 73).
(¬6) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 400): مُوغِرِين: بضم الميم وكسر الغين: أي نازِلِين فِي وقتِ الوَغْرَة بفتح الواو وسكون الغين، وهي شِدَّةُ الحَرِّ لما تكون الشَّمس فِي كَبِدِ السماء.

الصفحة 107