كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

ثُمَّ قَدِمْنَا المَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ (¬1) فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ، وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا أَنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- اللُّطْفَ (¬2) الذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي (¬3)، إِنَّمَا يدخلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ "، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَاكَ الذِي يُرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ (¬4)، فَخَرَجَتْ مَعِيَ أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ (¬5)، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ (¬6) قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ فِي التَّبَرُّزِ قِبَلَ الغَائِطِ، فَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ (¬7) بنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وابْنُهَا مِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ (¬8)، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي قَدْ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا،
¬__________
(¬1) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 401): يُفِيضُون: بضم أوله: أي يخوضون.
(¬2) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 401): اللُّطف: بضم أوله وسكون ثانيه، والمراد الرِّفْق.
(¬3) أشْتَكِي: أي أمرض. قاله الحافظ في الفتح (9/ 401).
(¬4) نقِهَ المريضُ: بفتح النون وفتح القاف وقد تكسر إذا بَرِئ وأفاق. انظر النهاية (5/ 97).
(¬5) المَنَاصع: هي المواضع التي يُتَخَلَّى فيه لقضاء الحاجة. انظر النهاية (5/ 56).
(¬6) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 402): الكُنُف: بضمتين جمع كنيف، وهو الساتر، والمراد به هنا المكان المتخذ لقضاء الحاجة.
(¬7) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 402): رُهمٍ: بضم الراء وسكون الهاء.
(¬8) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 402): مِسْطَح: بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء، وهو لقب واسمه عوف وقيل عمر، والأول هو المعتمد، وقد أخرج الحاكم من حديث ابن عباس قال: قال أبو بكر يُعاتب مسطحًا فِي قصة عائشة: =

الصفحة 108