كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
قَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أُغْمِصُهُ (¬1) عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ (¬2) فَتَأْكُلُهُ (¬3).
فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ (¬4)، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ، وَبَلَغَ الأَمْرُ إِلَى صَفْوَانَ بنَ المُعَطَّلِ -رضي اللَّه عنه- فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ كَنَفَ (¬5) أُنْثَى قَطُّ (¬6).
¬__________
(¬1) أُغمِصُهُ: أي أعيبه. انظر النهاية (3/ 347).
(¬2) قال الحافظ في الفتح (9/ 409): الدَّاجِنُ: هي الشاةُ التي تألفُ البيت ولا تَخرج إِلَى المَرْعى، وقيل هي كل ما يألفُ البيوت مُطلقًا شاة أو طَيْرًا.
(¬3) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} - رقم الحديث (4750).
(¬4) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 408): أي حَتَّى صرَّحوا لها بالأمر، فلهذا تعجَّبت، وقالت: سبحان اللَّه.
(¬5) قال النووي في شرح مسلم (17/ 95): الكَنَفُ: بفتح الكاف والنون: أي ثَوبها الذي يستُرها، وهو كِناية عن عدم جِماع النساء.
(¬6) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب رقم (12) - رقم الحديث (4757) - وفي رواية أبي سعيد بن أبي هلال عن هشام بن عروة فِي قِصَّة الإفك قال: إن الرَّجل الذي قيل فيه ما قيل لما بلغَهُ الحديث قال: واللَّه ما أَصَبْتُ امرأةً قَطُّ حلالًا ولا حَرَامًا.
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 398): فالذي يظهر أن مُراده بالنفي المذكور ما قَبْلَ هذه القصة، ولا مانع أن يتزوج بعد ذلك. فهذا الجَمْعُ لا اعتراض عليه إِلَّا بما جاء عن ابن إسحاق في السيرة (3/ 334): أنَّه كان حَصُورًا -وهو الذي لا يأتي النساء- لكنه لم يثبت فلا يُعارض الحديث الصحيح. =