كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ، لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ، لَتُصَدِّقُنِّي، وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لَكُمْ مَثَلًا -وَالْتَمَسْتُ اسْمَ يَعْقُوبٍ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ- إِلَّا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ حِينَ قَالَ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} (¬1).
قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ، فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّه يُبَرِّئُنِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّه مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى (¬2)، وَلَشَأَنْي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، فَوَاللَّهِ مَا رَامَ (¬3) رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ (¬4)، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الجُمَانِ (¬5) مِنَ العَرَقِ، وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، مِنْ ثِقَلِ القَوْلِ الذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ (¬6).
¬__________
(¬1) سورة يوسف آية (18).
(¬2) في رواية ابن إسحاق في السيرة (3/ 329): قالت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يقرأ به فِي المساجد، ويُصلى به.
(¬3) رام: أي فارق. انظر النهاية (2/ 263).
(¬4) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 417): البرحاء: بضم الموحدة وفتح الراء: هي شدة الحمى، وقيل شدة الكرب، وقيل شدة الحر.
وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (3/ 330): فسُجي بثوبه وَوُضِعَتْ تحت رأسه وسادة من أدم.
(¬5) الجُمان: بضم الجيم وتخفيف الميم، هو اللؤللؤ. انظر النهاية (1/ 291).
(¬6) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} - رقم الحديث (4750).
الصفحة 118