كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

* أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رضي اللَّه عنه- يُمْسِكُ النَّفَقَةَ عَنْ مِسْطَحٍ ثُمَّ يُرْجِعُهَا:
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رضي اللَّه عنه- يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ (¬1) وَفَقْرِهِ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عُذْرَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا، وَلَا أَنْفَعُهُ بِنَفْعٍ أَبَدًا، بَعْدَ الذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ، وَأَدْخَلَ عَلَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: {وَلَا يَأْتَلِ (¬2) أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (¬3).
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه-: بَلَى وَاللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ التِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ -رضي اللَّه عنه-: وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبْدًا (¬4).
وَفِي هَذَا المَوْقِفِ نَطَّلِعُ عَلَى أُفُقٍ عَالٍ مِنْ آفَاقِ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ، التِي تَطَهَّرَتْ بِنُورِ اللَّهِ. . . أُفُقٌ يُشْرِقُ فِي نَفْسِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رضي اللَّه عنه-، أَبِي بَكْرٍ الذِي سَمِعَ حَدِيثَ الإِفْكِ فِي أَعْمَاقِ قَلْبِهِ، وَالذِي احْتَمَلَ مَرَارَةَ الِاتِّهَامِ لِبيْتِهِ وَعِرْضِهِ، فَمَا يَكَادُ يَسْمَعُ دَعْوَةَ رَبِّهِ إِلَى العَفْوِ، وَمَا يَكَادُ يَلْمَسُ وُجْدَانَهُ ذَلِكَ السُّؤَالُ
¬__________
(¬1) أم مسطح تكون بنت خالة أبي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه-. انظر الإصابة (6/ 74).
(¬2) ولا يأتل: أي ولا يحلف. انظر تفسير ابن كثير (6/ 31).
(¬3) سورة النور آية (22).
(¬4) أخرج قصة إعادة نفقة أبي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه- على مسطح -رضي اللَّه عنه-: البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} - رقم الحديث (4750) - ومسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب فِي حديث الإفك - رقم الحديث (2770) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (24317).

الصفحة 125