كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -رضي اللَّه عنه- أَنَّهُ قَالَ: جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ، ثُمَّ قَالَ -رضي اللَّه عنه-: . . . يُؤْتَوْنَ بِمِلْءِ كَفَّيْ مِنَ الشَّعِيرِ فيصْنَعُ (¬1) لَهُمْ بِإِهَالَةٍ (¬2) سَنِخَةٍ (¬3) تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيِ الْقوْمِ، وَالْقَوْمُ جِيَاعٌ، وَهِيَ بَشِعَةٌ (¬4) فِي الْخَلْقِ، وَلَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ (¬5).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَى الرُّغْمِ مِنَ الْهَوْلِ الْمُرْعِبِ وَالضِّيقِ الْمُجْهِدِ، مَثَابَةَ الْأَمَانِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَصْدَرَ الثِّقَةِ وَالرَّجَاءِ وَالِاطْمِئْنَانِ، وَإِنَّ دِرَاسَةَ مَوْقِفِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي هَذَا الْحَادِثِ الضَّخْمِ لَمِمَّا يَرْسَمُ لِقَادَةِ الْجَمَاعَاتِ وَالْحَرَكَاتِ طَرِيقَهُمْ، وَفِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ، وَتَطْلُبُ نَفْسُهُ الْقُدْوَةَ الطَّيِّبَةَ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ وَلَا يَنْسَاهُ (¬6).
* تَخَاذُلُ الْمُنَافِقِينَ:
أَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَقَدْ كَانُوا يَتَأَخَّرُونَ فِي الْعَمَلِ، وَيُثَبِّطُونَ عَزَائِمَ الْمُسْلِمِينَ
¬__________
(¬1) فَيُصْنَعُ: أَيْ يُطْبَخُ. انظر فتح الباري (8/ 151).
(¬2) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (8/ 151): الإِهَالَةُ: بكسرِ الهمزةِ وتخفيفِ الهاءِ: الدُّهْنُ الذِي يُؤْتَدَمُ به سواءٌ كَانَ زَيْتًا أو سَمْنًا أو شَحْمًا.
(¬3) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (8/ 151): سَنِخَةٌ: أَيْ تغيَّرَ طَعْمُهَا ولونُها من قِدَمِهَا، ولهذا وصفَهَا بكونِها بَشِعَةً.
(¬4) بَشِعَةٌ: أي خَشِنَةٌ كَرِيهَةُ الطَّعْمِ. انظر النِّهاية (1/ 129).
(¬5) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الخندق - رقم الحديث (4100) - وأخرجه الطحاوي في شرح مُشْكِلِ الآثارِ (10/ 196).
(¬6) في ظِلالِ القرآنِ لسيِّد قُطْب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (5/ 2841).
الصفحة 148