كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
حَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الحَفْرِ، فَقَامَ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، وَوَضَعَ رِدَاءَهُ نَاحِيَةَ الْخَنْدَقِ، وَضَرَبَ وَقَالَ: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (¬1) فنَدَرَ (¬2) ثُلُثُ الْحَجَرِ، وَسَلْمَانُ الفَارِسِيُّ قَائِمٌ يَنْظُرُ، فَبَرَقَ مَعَ ضَرْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَرْقَةٌ (¬3)، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ، وَقَالَ: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فنَدَرَ الثُّلُثُ الْآخَرُ، فَبرَقَتْ بَرْقَةٌ يَرَاهَا سَلْمَانُ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ، وَقَالَ: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، فنَدَرَ الثُّلُثُ البَاقِي، وَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَأَخَذَ رِدَاءَهُ وَجَلَسَ، فَقَالَ سَلْمَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُكَ حِينَ ضَرَبْتَ، لَا تَضْرِبُ ضَرْبَةً إِلَّا كَانَتْ مَعَهَا بَرْقَةٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يَا سَلْمَانُ، رَأَيْتَ ذَلِكَ؟ " قَالَ: إِي وَالذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فَإِنِّي حِينَ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الْأُولَى، رُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ كسْرَى وَمَا حَوْلَهَا وَمَدَائِنُ كَثِيرةٌ، حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنِي"، فَقَالَ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا، وَيُغَنِّمَنَا ذَرَارِيَهُمْ، وَيُخَربَ بِأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِذَلِكَ.
قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ثُمَّ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الثَّانِيَةَ، فَرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ قَيْصَرَ وَمَا
¬__________
(¬1) سورة الأنعام آية (115).
(¬2) نَدَرَ: سَقَطَ ووقعَ. انظر النِّهاية (5/ 30).
(¬3) بَرَقَ: لَمَعَ. انظر النهاية (1/ 120).
الصفحة 153