كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
حُيَيٌّ: وَاللَّهِ مَا أَغْلَقْتَ الْحِصْنَ دُونِي إِلَّا تَخَوُّفَكَ مِنْ أَنْ آكُلَ مِنْ جَشِيشَتِكَ (¬1)، فَفَتَحَ لَهُ البَابَ، وَدَخَلَ حُيَيٌّ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا كُعْبُ! جِئْتُكَ بِعِزِّ الدَّهْرِ وَبِبَحْرٍ طَامٍ (¬2)، جِئْتُكَ بِقُرَيْشٍ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا، وَبِغَطَفَانَ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا، وَقَدْ عَاهَدُونِي عَلَى أَنْ لَا يَبْرَحُوا (¬3) حَتَّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا وَمَنْ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: جِئتُنِي وَاللَّهِ بِذُلِّ الدَّهْرِ وَبِجَهَامٍ (¬4) قَدْ هَرَاقَ مَاءَهُ فَهُوْ يَرْعُدُ وَيَبْرُقُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيْحَكَ يَا حُيَيُّ فَدَعْنِي وَمَا أَنَا عَلَيْهِ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ مِنْ مُحَمَّدٍ إِلَّا صِدْقًا وَوَفَاءً، وَاللَّهِ مَا أَكْرَهَنَا عَلَى دِينٍ، وَلَا غَصَبَنَا مَالًا، وَلَا نَنْقِمُ (¬5) مِنْ مُحَمَّدٍ وَعَمَلِهِ شَيْئًا، وَأَنْتَ تَدْعُو إِلَى الْهَلَكَةِ، فَنُذَكِّرُكَ اللَّهَ إِلَّا مَا أَعْفَيْتَنَا مِنْ نَفْسِكَ.
وَتَكَلَّمَ عَمْرُو بْنُ سَعْدِي الْقُرَظِيُّ فَذَكَرَ وَفَاءَ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَمُعَاهَدَتَهُمْ إِيَّاهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ! إِنَّكُمْ قَدْ حَالفتُمْ مُحَمَّدًا عَلَى مَا قَدْ عَلِمْتُمْ أَنْ لَا تَخُونُوهُ وَلَا تَنْصُرُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا، وَأَنْ تَنْصُرُوهُ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ، فَأَوْفُوا عَلَى مَا عَاهَدْتُمُوهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَخَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ وَاعْتَزِلُوهُمْ.
وَلَكِنَّ حُيَيًّا مَا زَالَ بِكَعْبٍ يَفْتِلُهُ فِي الذُّرْوَةِ وَالغَارِبِ (¬6)، حَتَّى سَمَحَ لَهُ
¬__________
(¬1) الجَشِيشَةُ: هي نوعٌ من أنواع الطعام: وهي أَنْ تُطْحَنَ الحِنْطَةُ طَحْنًا جَلِيلًا، ثم تُجْعَلَ في القُدورِ ويُلقى عليها لَحْمٌ أو تَمر وتُطْبَخُ. انظر النهاية (1/ 264).
(¬2) طَمَا البحرُ: ارتفعَ بأمواجِهِ. انظر النهاية (3/ 126).
(¬3) بَرِحَ مكانَهُ: أي زَالَ عنهُ. انظر لسان العرب (1/ 361).
(¬4) الجَهَامُ: بفتح الجيم السَّحابُ الذي لا ماءَ فيهِ. انظر النهاية (1/ 311).
(¬5) نَقِمَ الشَّيْءَ: أنكرَهُ. انظر لسان العرب (14/ 272).
(¬6) الغَارِبُ: مُقَدَّمُ السِّنانِ وهو الرُّمْحُ، والذُّرْوَةُ: أعلاهُ، أراد أَنَّهُ ما زالَ يُخادِعُهُ ويتلطَّفُ =
الصفحة 160