كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

حِصْنٍ الفزَارِيِّ وَإِلَى الْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ الْمُرِيِّ -وَهُمَا قَائِدَا غَطفانَ- لِيُصَالِحَهُمَا عَلَى إِعْطَائِهِمَا ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَا بِمَنْ مَعَهُمَا عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، فَقَبِلَا وَجَرَتِ الْمُرَاوَضَةُ (¬1) عَلَى ذَلِكَ.
فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بَعَثَ إِلَى السَّعْدَيْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمَا وَاسْتَشَارَهُمَا فِيهِ، فَقَالَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمْرًا تُحِبُّهُ فنَصْنَعُهُ؟ أَمْ شَيْئًا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ لابُدَّ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ؟ أَمْ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا؟
فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بَلْ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ، وَاللَّهِ مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا لِأنَّنِي رَأَيْتُ الْعَرَبَ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَكَالَبُوكُمْ (¬2) مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ مِنْ شَوْكَتِهِمْ (¬3) إِلَى أَمْرٍ مَا".
فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ -رضي اللَّه عنه-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءَ الْقوْمِ عَلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ لَا نَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا نَعْرِفُهُ وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأَكُلُوا مِنْهَا ثمَرَةَ إِلَّا قِرًى (¬4) أَوْ بَيْعًا، أَفَحِينَ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَهَدَانَا لَهُ وَأَعَزَّنَا بِكَ وَبِهِ
¬__________
(¬1) المُرَاوَضَةُ: هو أَنْ تواصِفَ الرَّجُلَ بالسِّلْعَةِ ليسَتْ عِندَكَ. انظر النهاية (2/ 251).
(¬2) يُقالُ: هم يَتَكَالَبُونَ على كذا: أي يَتَوَاثَبُونَ عليه. انظر لسان العرب (12/ 136).
(¬3) الشَّوْكَةُ: شِدَّةُ البَأْسِ. انظر لسان العرب (7/ 240).
(¬4) قَرَى الضَّيْفَ: أَضَافَهُ. انظر لسان العرب (11/ 149).

الصفحة 170