كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

* قَتْلُ عَمْرِو بْنِ وُدٍّ:
وَجَعَلَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ يَدْعُو إِلَى البِرَازِ (¬1)، وَهُوَ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ مِنْ أَشْجَعِ فُرْسَانِ الْعَرَبِ.
وَكَانَ قَدْ قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ، فَلَمْ يَشْهَدْ أُحُدًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ خَرَجَ مُعْلَمًا (¬2) لِيُرَى مَكَاُنهُ، فَلَمَّا نَادَى مَنْ يُبَارِزُ؟ ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب -رضي اللَّه عنه-: أنَا لَهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اجْلِسْ، فَإِنَّهُ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ"، فنَادَى مَرَّةً ثَانِيَةً عَمْرُو بْنُ وُدٍّ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رضي اللَّه عنه-: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اجْلِسْ فَإِنَّهُ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ"، فنَادَى عَمْرُو بْنُ وُدٍّ ثَالِثَة: مَنْ يُبَارِزُ؟
فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رضي اللَّه عنه- أنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَأَعْطَاهُ سَيْفَهُ وَعَمَّمَهُ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ" فَمَشَى إِلَيْهِ عَلِيٌّ -رضي اللَّه عنه- وَهُوَ يَقُولُ:
لَا تَعْجَلَنَّ فَقَدْ أَتَا ... كَ مُجِيبُ صَوْتِكَ غَيْرَ عَاجِزْ
دُو نُبْهَةٍ (¬3) وَبَصِيرَةٍ ... وَالصِّدْقُ مَنْجَا كُلِّ فَائِزْ
فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ: وَمَنْ أَنْتَ؟
قَالَ: أنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
¬__________
(¬1) البِرَازُ: بكسرِ الباء: الْمُبَارَزَةُ في الحربِ. انظر النهاية (1/ 118).
(¬2) خرجَ مُعْلَمًا: أي جعلَ لنفسِهِ علامةً ليُعرَفَ بِهَا. انظر النهاية (3/ 264).
(¬3) ذو نُبْهَةٍ: أي ذُو فِطْنَةٍ. انظر لسان العرب (14/ 29).

الصفحة 172