كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

فَقَالَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ: عِنْدَكَ مِنْ أَعْمَامِكَ مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْكَ، وَإِنَّ أَبَاكَ كَانَ نَدِيمًا (¬1) لِي، فَلَا أُحِبُّ قِتَالَكَ فَانْصَرِفْ.
فَقَالَ عَلِيٌّ -رضي اللَّه عنه-: يَا عَمْرُو! إِنَّكَ قَدْ كُنْتَ عَاهَدْتَ اللَّهَ أَلَّا يَدْعُوكَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى إِحْدَى خُلَّتَيْنِ إِلَّا أَخَذْتَهَا مِنْهُ، قَالَ لَهُ: أَجَل.
قَالَ عَلِيٌّ -رضي اللَّه عنه-: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولهِ، وَإلى الْإِسْلَامِ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ، قَالَ عَلِيٌّ -رضي اللَّه عنه-: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى النِّزالِ (¬2)، فَقَالَ لَهُ: لِمَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ.
فَقَالَ عَلِيٌّ -رضي اللَّه عنه-: وَلَكِنْ وَاللَّهِ أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ، فَحَمِيَ عَمْرُو بْنُ وُدٍّ عِنْدَ ذَلِكَ فَاقْتَحَمَ (¬3) عَنْ فَرَسِهِ وَسَلَّ سَيْفَهُ، فَعَقَرَ (¬4) فَرَسَهُ وَضَرَبَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَ عَلِيٍّ -رضي اللَّه عنه- مُغْضَبًا، وَاسْتَقْبَلَهُ عَلِيٌّ -رضي اللَّه عنه- بِدُرْقَتِهِ (¬5) فَضَرَبَهُ عَمْرٌو فِي الدُّرْقَةِ فَقَدَّهَا (¬6) وَأَثْبَتَ فِيهَا السَّيْفَ، وَأَصَابَ رَأْسَهُ فَشَجَّهُ، فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ -رضي اللَّه عنه- عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ (¬7) فَسَقَطَ وَثَارَ العَجَاجُ (¬8) وَكَبَّرَ، فَعَرَفَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ قَدْ قتَلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ
¬__________
(¬1) النَّديمُ: الذي يُرافِقُكَ ويُشَارِبُكَ. انظر لسان العرب (14/ 95).
(¬2) النِّزالُ: بكسر النُّونِ: هو تَقَابُلُ القَرِينَيْنِ للقتالِ. انظر النهاية (5/ 37).
(¬3) اقْتَحَمَ: أي رمى بنفسه عن الفرسِ ونزلَ منه. انظر لسان العرب (11/ 47).
(¬4) عَقَرَ: قتَلَ. انظر النهاية (3/ 246).
(¬5) الدُّرْقَةُ: التِّرْسُ من الجُلُودِ. انظر لسان العرب (4/ 333).
(¬6) القَدُّ: القَطْعُ والشَّقُّ. انظر النهاية (4/ 19).
(¬7) العَاتِقُ: ما بين المَنْكِبِ والعُنُقِ. انظر لسان العرب (9/ 38).
(¬8) العَجَاجُ: الغُبَارُ. انظر لسان العرب (9/ 54).

الصفحة 173