كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الذِي أَخْرَجَنِي، فَدَخَلَ فَإِذَا حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ مُنْطَوَيةٌ عَلَى الْفِرَاشِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ، فَانتظَمَهَا بِهِ (¬1)، ثُمَّ خَرَجَ، فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ، فَمَا أَدْرِي أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الْحَيَّةُ أَوِ الْفَتَى، فَجِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، وَقُلْنَا: ادْعُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحْيِيهِ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ"، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ بِالْمَدِينهِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" (¬2).

* إِصَابَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -رضي اللَّه عنه-:
اسْتَمَرَّتِ الْمُنَاوَشَاتُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، فَرَمَى حِبَّانُ بْنُ العَرِقَةِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ -رضي اللَّه عنه- بِسَهْمٍ، فَأَصَابَهُ بِأَكْحَلِهِ (¬3).
فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْتُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَقْفُو (¬4) آثَارَ النَّاسَ، فَإِذَا أَنَا بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -رضي اللَّه عنه-، وَمَعَهُ ابْنُ أَخِيهِ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، يَحْمِلُ مِجَنَّةً (¬5)، فَجَلَسْتُ
¬__________
(¬1) انْتَظَمَ الصَّيْدَ: إذا طَعَنَهُ أو رماهُ حتى يُنْفِذَهُ. انظر لسان العرب (14/ 197).
(¬2) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب قتل الحيات وغيرها - باب قتل الحيات - رقم الحديث (2236) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (2938).
(¬3) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (8/ 174): الأَكْحَل: بفتح الهمزة والمهملة بينهما كاف ساكنة وهو عِرْقٌ في وَسَطِ الذِّرَاعِ.
(¬4) أَقْفُوا: أَتْبَعُ. انظر لسان العرب (11/ 263).
(¬5) المِجَنُّ: التِّرْسُ. انظر النهاية (4/ 256).

الصفحة 176