كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
وَوَجَّهُوا عَلَى قُبَّةِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتِيبَةً غَلِيظَةً فِيهَا خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ -رضي اللَّه عنه-، فَقَاتَلُوهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ إِلَى قَرِيبٍ مِنَ اللَّيْلِ، مَا يَقْدِرُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَزُولُوا مَوَاضِعَهُمْ، وَلَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَلَا أَصْحَابُهُ الْعَصْرَ إِلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، ثُمَّ رَجَعَ الْمُشْرِكُونَ مُتَفَرِّقِينَ إِلَى مَنَازِلهِمْ وَعَسْكَرِهِمْ، وَانْصَرَفَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى قُبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَأَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ -رضي اللَّه عنه- عَلَى الْخَنْدَقِ فِي مِائتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَرَّ (¬1) خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ -رضي اللَّه عنه- فِي خَيْلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَطْلُبُونَ غِرَّةَ (¬2) الْمُسْلِمِينَ، فَنَاوَشُوهُمْ (¬3) سَاعَةً، فزَرَقَ (¬4) وَحْشِيُ بْنُ حَرْبٍ الطُّفيْلَ بْنَ النُّعْمَانِ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ بِمِزْرَاقَةٍ (¬5) فَقتَلَهُ، وَانْكَشَفُوا، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ قِتَالٌ حَتَّى انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ، لَكِنَّهُمْ لَا يَدَعُونَ الطَّلَائِعَ (¬6) بِاللَّيْلِ يَطْمَعُونَ فِي الْغَارَةِ (¬7).
فَلَمَّا صَارَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي قُبَّتِهِ جَمَعَ أَصْحَابَهُ فَصَلَّى بِهِمُ الْعَصْرَ، ثُمَّ الْمَغْرِبَ (¬8).
¬__________
(¬1) كَرَّ: رَجَعَ. انظر لسان العرب (12/ 64).
(¬2) الغِرَّةُ: الغَفْلَةُ. انظر النهاية (3/ 319).
(¬3) الْمُنَاوَشَةُ في القتال: تَداني الفَريقَيْنِ، وأَخْذُ بعضِهِمْ بَعْضًا. انظر النهاية (5/ 112).
(¬4) زَرَقهُ: طَعَنَهُ أو رَمَاهُ. انظر لسان العرب (6/ 39).
(¬5) الْمِزْرَاقُ: الرُّمْحُ القصيرُ. انظر لسان العرب (6/ 39).
(¬6) الطَّلائعُ: هم القومُ الذين يُبعَثُونَ لِيَطَّلِعُوا على العدو كَالجَواسيسِ. انظر لسان العرب (8/ 185).
(¬7) الإِغَارُة: النَّهْبُ. انظر لسان العرب (10/ 142).
(¬8) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (2/ 283) - دلائل النبوة للبيهقي (3/ 402).
الصفحة 180