كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

قَالَ نُعَيْمٌ: وَلَكِنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ائْذَنْ لِي فَأَقُولُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قُلْ مَا بَدَا لَكَ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ"، فَخَرَجَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ -رضي اللَّه عنه- حَتَّى أَتَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ لَهُمْ نَدِيمًا (¬1) فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: يَا بَنِي قُرَيْظَةَ! قَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي إِيَّاكُمْ، وَخَاصَّةً مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، قَالُوا: صَدَقْتَ، لَسْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ لَيْسُوا كَأَنْتُمْ، الْبَلَدُ بَلَدُكُمْ، فِيهِ أَمْوَالُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ، لَا تَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ تُحَوِّلُوا مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وِإِنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ قَدْ جَاؤُوا لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَدْ ظَاهَرتُمُوهُمْ (¬2) عَلَيْهِ، وَبَلَدُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ بِغَيْرِهِ، فَلَيْسُوا كَأَنْتُمْ، فَإِنْ رَأَوْا نُهْزَةً (¬3) أَصَابُوهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ لَحِقُوا ببلَادِهِمْ وَخَلُّوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرَّجُلِ بِبَلَدِكُمْ، وَلَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ إِنْ خَلَا بِكُمْ، فَلَا تُقَاتِلُوا مَعَ الْقَوْمِ حَتَّى تَأْخُذُوا مِنْهُمْ رَهْنًا (¬4) مِنْ أَشْرَافِهِمْ، يَكُونُونَ بِأَيْدِيكُمْ ثِقَةً لَكُمْ عَلَى أَنْ تُقَاتِلُوا مَعَهُمْ مُحَمَّدًا، حَتَّى تُنَاجِزُوهُ (¬5)، فقالوا له: لقد أَشَرْتَ بِالرَّأي.
ثُمَّ خَرَجَ نُعَيْمٌ -رضي اللَّه عنه-، حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، فَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَمَنْ
¬__________
= وأخرجه مسلم في صحيحه - رقم الحديث (1739).
(¬1) النَّدِيمُ: هو الذي يُرافقُك ويُشاربُك. انظر لسان العرب (14/ 95).
(¬2) تَظَاهَرُوا عليه: تَعَاونوا. انظر لسان العرب (8/ 277).
(¬3) النّهْزَةُ: الفُرْصَةُ، وانتهَزْتُهَا: اغْتَنَمْتُهَا. انظر النهاية (5/ 119).
(¬4) الرَّهْنُ: ما وُضِعَ عند الإنسان مما ينوب منابَ مَا أُخِذَ منه. انظر لسان العرب (5/ 348).
(¬5) الْمُنَاجَزَةُ في الحرب: الْمُبارَزَةُ. انظر النهاية (5/ 18).

الصفحة 185