كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

فَأَرْسَلُوا إِلَى قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ: إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُقَاتِلُ مَعَكُمْ مُحَمَّدًا حَتَّى تُعْطُونَا رَهْنًا، فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ، وَخَذَّلَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ، وَيَئِسَ هَؤُلَاءِ مِنْ نَصْرِ هَؤُلَاءَ، وَهَؤُلَاءَ مِنْ نَصْرِ هَؤُلَاءِ، وَاخْتَلَفَ أَمْرُهُمْ وَتَفَرَّقُوا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} (¬1).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَيْ: لَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى مُنَازَلَتِهِمْ وَمُبَارَزَتِهِمْ حَتَّى يُجْلُوهُمْ عَنْ بِلَادِهِمْ، بَلْ كَفَى اللَّهُ وَحْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَلهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ" (¬2).

* دُعَاءُ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَى الأَحْزَابِ:
وَفِي هَذِهِ الْغَمْرَةِ مِنَ الشَّدَائِدِ وَالْمَخَاوِفِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَأَصْحَابُهُ لَا يَنْفَكُّونَ عَنِ الدُّعَاءِ للَّهِ رَبِّ الَعَالَمِينَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: دَعَا رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَى
¬__________
(¬1) سورة الأحزاب آية (25) - وانظر تفاصيل قصة تخذيل نعيم بن مسعود -رضي اللَّه عنه- بين المشركين واليهود في: الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (4/ 458) - دلائل النبوة للبيهقي (3/ 445 - 447) - سيرة ابن هشام (3/ 253) - زاد المعاد (3/ 244).
(¬2) أخرج البخاري هذا الحديث في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الخندق وهى الأحزاب - رقم الحديث (4114) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الذكر والدعاء - باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل - رقم الحديث (2724) - وانظر كلام الحافظ ابن كثير رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (6/ 396).

الصفحة 188