كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا (¬1) وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} (¬2).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وَلَوْلَا أَنْ جَعَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، لَكَانَتْ هَذِهِ الرِّيحُ عَلَيْهِمْ أَشَدَّ مِنَ الرِّيحِ الْعَقِيمِ عَلَى عَادٍ، وَلَكِنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} (¬3) فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ هَوَاءً فَرَّقَ شَمْلَهُمْ، كَمَا كَانَ سَبَبُ اجْتِمَاعِهِمْ مِنَ الْهَوَى، وَهُمْ أَخْلَاطٌ مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى، أَحْزَابٌ وَآرَاءٌ، فنَاسَبَ أَنْ يُرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْهَوَاءُ الذِي فَرَّقَ جَمَاعَتَهُمْ، وَرَدَّهُمْ خَائِبِينَ خَاسِرِينَ بِغَيْظِهِمْ وَخَنَقَهُمْ (¬4)، لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا لَا فِي الدُّنْيَا، مِمَّا كَانَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الظَّفَرِ (¬5) وَالْمَغْنَمِ، وَلَا فِي الْآخِرَةِ بِمَا تَحَمَّلُوهُ مِنَ الْآثَامِ فِي مُبارَزَةِ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، بِالْعَدَاوَةِ، وَهَمِّهِمْ بِقَتْلِهِ، وَاسْتِئْصَالِ جَيْشِهِ، وَمَنْ هَمَّ بِشَيْء، وَصَدَّقَ هَمَّهُ بِفِعْلِهِ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ كَفَاعِلِهِ (¬6).
¬__________
(¬1) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (6/ 385): هم الملائكة، زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف، فكان رئيس كل قبيلة يقول: يابني فلان إليّ، فيجتمعون إليه فيقول: النجاء النجاء، لما ألقى اللَّه تَعَالَى في قلوبهم من الرعب.
(¬2) سورة الأحزاب آية (9).
(¬3) سورة الأنفال آية (33).
(¬4) الْخَنْقُ: الْغَيْظُ. انظر النهاية (1/ 434).
(¬5) الظَّفَرُ: الفَوْزُ بالمطلوب. انظر لسان العرب (8/ 255).
(¬6) انظر تفسير ابن كثير (6/ 395).

الصفحة 191