كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

زَالَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَتَّى أُحْدِثَ للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، تَوْبَةً نَصُوحًا يَعْلَمُهَا اللَّهُ مِنْ نَفْسِي، ثُمَّ انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، فَرَبَطَ نَفْسَهُ إِلَى سَارِيَةٍ (¬1) مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ -وَكَانَتْ مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ-، وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَقَالَ: لَا أَبْرَحُ (¬2) مَكَاني هَذَا حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ مِمَّا صَنَعْتُ، فنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (¬3)، فَلَمَّا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَبَرَهُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَبْطَأَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ جَاءَني لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، فَأَمَّا إِذْ فَعَلَ مَا فَعَلَ فَمَا أَنَا بِالذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَأَقَامَ أَبُو لُبَابَةَ -رضي اللَّه عنه-، مَرْبُوطًا بِالْجِذْع سِتَّ لَيَالٍ أَوْ أَكْثَرَ، تَأْتِيهِ امْرَأَتُهُ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ فتحِلُّهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُرْبَطُ بِالْجِذْعِ، حَتَّى نَزَلَتْ تَوْبَتُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (¬4).
¬__________
(¬1) هذه السارية موجودة اليوم بالمسجد النبوي، معروفة باسم اسطوانة التوبة.
(¬2) لا أَبْرَحُ: لا أُفَارِقُ. انظر لسان العرب (1/ 361).
(¬3) سورة الأنفال آية (27).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (4/ 40): قال عبد اللَّه بن أبي قتادة، والزهري: أنزلت في لبابة بن عبد المنذر -رضي اللَّه عنه-، حين بعثه رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(¬4) سورة التوبة آية (102). =

الصفحة 205