كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

سَريَّةُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ -رضي اللَّه عنه- (¬1) إِلَى القُرَطَاءِ (¬2)
فَفِي الْمُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ -رضي اللَّه عنه- فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا إِلَى الْقُرَطَاءَ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، وَاسْمُهُ: عُبَيْدُ بْنُ كِلَابٍ.
فَخَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ -رضي اللَّه عنه- وَأَصْحَابُهُ لِعَشْرِ لَيَالٍ خلَوْن مِنَ الْمُحَرَّمِ، فَسَارَ اللَّيْلَ وَكَمَنَ (¬3) النَّهَارَ، فَلَمَّا أَغَارَ عَلَيْهِمْ هَرَبَ سَائِرُهُمْ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ نَفَرًا
¬__________
(¬1) هو محمد بن مَسْلَمَة الأوسي الأنصاري، من نُجَباءِ الصحابة شَهِدَ بدرًا وأحدًا، وكل المشاهد إلا تَبُوك؛ لأن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- استخلفه على المدينة، وهو أحَدُ الذين قَتَلُوا كَعْبَ بن الأشْرَف كما تقدم، وكان -رضي اللَّه عنه- ممن اعتزل الفِتْنَة بعد مقتل عثمان -رضي اللَّه عنه-.
أخرج أبو داود في سننه بسند صحيح - كتاب السنة - باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة - رقم الحديث (4663) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (7470) - عن حذيفة -رضي اللَّه عنه- أنه قال: ما أحدٌ من الناس تُدْرِكُهُ الفتنةُ إلا أنَا أخَافُهَا عليه، إلا محمد بن مسلمة، فإني سمعت رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا تَضُرُّكَ فِتْنةٌ".
وفي رواية أخرى عند أبي داود في سننه - رقم الحديث (4664) - عن ثعلبة بن ضُبَيْعَةَ قال: دخلنا على حذيفة، فقال: إني لأعرف رَجلًا لا تَضُرُّه الفتن، قلنا: من هو؟ قال صاحب ذلك الفُسْطَاطِ -الفسطاط: أي الخَيْمَة- فدخلنا، فإذا فيه محمد بن مسلمة.
(¬2) القُرطاء: بضم القاف بينها وبين المدينة سبع ليال. انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (2/ 288).
(¬3) كَمَنَ: استخفى. انظر النهاية (4/ 174).

الصفحة 229