كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
وَكَانَ فِي عَلَالِيَ (¬1) لَهُ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إِلَيْهِ، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ، فَقُلْتُ: إِنِ الْقَوْمُ نَذِرُوا (¬2) بِي لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَانَتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ قَدْ طُفِئَ سِرَاجُهُ وَسَطَ عِيَالِهِ لَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ مِنَ الْبَيْتِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ! قَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَهْوَيْتُ (¬3) نَحْوَ الصَّوْتِ (¬4) فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَا دَهِشٌ (¬5)، فَمَا أَغْنَتْ شَيْئًا، وَصَاحَ، فَخَرَجْتُ مِنَ الْبَيْتِ فَمَكَثْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ (¬6)؟
فَقَالَ: لِأُمِّكَ الْوَيْلُ، إِنَّ رَجُلًا فِي الْبَيْتِ ضَرَبَنِي قَبلُ بِالسَّيْفِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ (¬7) ولمْ أَقْتُلْهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ ضَبِيبَ السَّيْفِ (¬8) فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أَنِّي قتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ أَفتحُ الْأَبْوَابَ بَابًا بَابًا حَتَّى
¬__________
(¬1) عَلَالِي: جَمْعُ عُلِيَّةٍ، وهي بضم العين وكسرها وبتشديد الياء وهي الغُرْفَةُ. انظر النهاية (3/ 267).
(¬2) نَذِرُوا بكسر الذال: أي عَلِمُوا. انظر النهاية (5/ 33).
(¬3) هَوَيْتُ: قَصَدْتُ. انظر لسان العرب (15/ 167).
(¬4) في رواية أخرى في صحيح البخاري رقم الحديث (4040) قال -رضي اللَّه عنه-: فعمدت نحو الصوت.
(¬5) دَهِشَ: بكسر الهاء ذهل. انظر لسان العرب (4/ 427).
(¬6) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (4040): قال عبد اللَّه -رضي اللَّه عنه-: ثم جئت كأني أغيثة، فقلت مالك؟ وغيرت صوتي.
(¬7) الْإِثْخَانُ في الشيء: الْمبَالَغَةُ فيه، يُقال: أَثْخَنَهُ المرضُ: إذا أَثْقَلَهُ ووَهَنَهُ. انظر النهاية (1/ 203).
(¬8) ضَبِيبُ السَّيْفِ: طَرَفُ السيفِ. انظر فتح الباري (8/ 86).
الصفحة 257