كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

وَخَرَجَ مَعَهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ، فَحَمَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ عَلَى بَعِيرِهِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِقَرْقَرَةِ ثِبَارٍ (¬1) نَدِمَ يُسَيْرٌ عَلَى مَسِيرِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَأَهْوَي (¬2) بِيَدِهِ إِلَى سَيْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، فَفَطِنَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَدَفَعَ بَعِيرَهُ وَقَالَ لَهُ: غَدْرًا أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ! فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَأَنْدَرَتْ (¬3) عَامَّةُ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ، وَسَقَطَ يُسَيْرٌ عَنْ بَعيره وَبيَده مِخْرشٌ (¬4) مِنْ شَوْحَطٍ (¬5)، فَضَربَ عَبْدَ اللَّه فَأَمَّهُ (¬6)، وَمَالَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ يَهُودَ فَقتَلَهُ، إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا أَفْلَتَ عَلَى رِجْلَيْهِ قَدْ أَعْجَزَهُمْ شَدًّا (¬7)، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ، ثُمَّ أَقْبَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَقَالَ لَهُمْ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قَدْ نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"، وَدَعَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ فَتَفَلَ عَلَى شَجَّتِهِ (¬8)، فَلَمْ تُقْحِ (¬9) وَلَمْ تُؤْذِهِ (¬10).
¬__________
(¬1) قَرْقَرَةُ ثِبَارٍ: موضع علي ستة أميال من خيبر. قاله ابن إسحاق في السيرة (4/ 274).
(¬2) هَوَى بيد إليهِ: أي مَدَّهَا نحوه وأَمَالَهَا إليه. انظر النهاية (5/ 246).
(¬3) نَدَرَتْ: سَقَطَتْ ووَقَعَتْ. انظر النهاية (5/ 30).
(¬4) الْمِخْرَاشُ: عصا مِعْوَجَّةُ الرَّأْسِ. انظر النهاية (2/ 22).
(¬5) الشَّوْحَطُ: ضَرْبٌ من شجر الجبال تُتَّخَذُ منه الْقِسِيُّ. انظر النهاية (2/ 354).
(¬6) أَمَّه: أي أَصابَ أُمَّ رأسِهِ، وأُمُّ الرأسِ: الدِّمَاغُ. انظر النهاية (1/ 69).
(¬7) شَدًّا: أي جَرْيًا. انظر النهاية (2/ 405).
(¬8) الشَّجُّ: في الرأس خاصَّةً في الأصل، وهو أَنْ يضربَهُ بثيء فيَجْرحه فيه ويَشُقّهُ، ثم استعمل في غيره من الأعضاء. انظر النهاية (2/ 399).
(¬9) الْقَيْحُ: هو الصَّدِيدُ. انظر لسان العرب (11/ 368).
أي أنه لم يخرج من جرحه -رضي اللَّه عنه- شيء ببركة تفله -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(¬10) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (2/ 295) - سيرة ابن هشام (4/ 274).

الصفحة 261