كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
فَعَمَّى اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّبِيلَ، فَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ حَتَّى أَدْرَكُوهُمْ فَأَحَاطُوا بِهِمْ، وَأَسَرُوهُمْ، وَرَبَطُوهُمْ، وَأَرْدَفُوهُمْ عَلَى الْخَيْلِ حَتَّى قَدِمُوا بِهِمُ الْمَدِينَةَ.
فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَسُمِّرَتْ (¬1) أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ (¬2) يَسْتَسْقونَ فَلَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا.
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -رضي اللَّه عنه- أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَعْيُنَ أُولَئِكَ، لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ (¬3).
قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ سَرَقُوا، وَقَتَلُوا، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي هَؤُلَاءِ الْعُرَنِيِّينَ قَوْلَه تَعَالَى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ
¬__________
(¬1) سُمِّرَتْ أعينُهُمْ: بتشديد الميم، وفي رواية: سَمَر: بتخفيف الميم: أي أحمى لهم مَسَامِيرَ الحديدِ ثم كَحَلَهُمْ بِهَا. انظر النهاية (2/ 359).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (1/ 453): قد وقع التصريح بالمراد عند البخاري - رقم الحديث (3018) قال أنس -رضي اللَّه عنه-: ثم أمر رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بمسامير فأحميت فكحلهم بها.
وفي رواية مسلم في صحيحه - رقم الحديث (1671) (9): قال أنس -رضي اللَّه عنه-: وسَمَل أعينهم. والسَّمْلُ: فَقْءُ العينِ بأي شيء كان. انظر النهاية (2/ 363).
(¬2) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (1/ 453): الْحَرَّةُ: هي أرضٌ ذاتُ حجارةٍ سودٍ معروفة بالمدينة، وإنما ألقوا فيها لأنها قرب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا.
(¬3) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب القسامة والمحاربين - باب حكم المحاربين والمرتدين - رقم الحديث (1671) (14).
الصفحة 269