كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
سَبْعِينَ بَدَنَةً (¬1) فِيهَا جَمَلٌ لِأَبى جَهْل لَعَنَهُ اللَّهُ فِى أَنْفِهِ بُرَّةٌ (¬2) مِنْ فِضَّةٍ لِيَغِيظَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ (¬3)، وَبَعَثَهَا مَعَ نَاجِيَةَ بْنِ جُنْدُبٍ الْخُزَاعِيِّ الْأَسْلَمِيِّ -رضي اللَّه عنه- (¬4).
فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَمَعَهُ الْمُسْلِمُونَ ذَا الْحُلَيْفَةِ (¬5) صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالْهَدْيِ فَقَلَّدَهُ (¬6)، ثُمَّ أَشْعَرَهُ (¬7)، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَلَبَّي لِيَأْمَنَ النَّاسُ مِنْ
¬__________
(¬1) الْبَدَنَةُ: تقع على الجمل والنَّاقة والبقرة، وهي بالإبلِ أشبه، وسُمِّيَتْ بدنةً لِعِظَمِهَا وسِمَنِهَا. انظر النهاية (1/ 108).
(¬2) الْبُرَّةُ: حَلْقَةٌ تُجْعَلُ في لَحْمِ الأنفِ، وربما كانت من شعر. انظر النهاية (1/ 122).
(¬3) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (2362) - وإسناده حسن.
(¬4) هذا هو الصحيح أن الذي كان على هدى رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- هو: ناجية بن جندب الأسلمي -رضي اللَّه عنه-، وقد روى ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (18943) بسند صحيح - وابن إسحاق في السيرة (3/ 339).
(¬5) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (4/ 161): ذا الحُلَيْفَة: بضم الحاء مُصَغَّرًا، وهو ميقاتُ أهل المدينة، ومن سلك طريقهم.
(¬6) تقلِيدُ الهَدْيِ: أن يُجْعَلَ في عُنُقِها شِعار يُعلم به أنها هدي. انظر لسان العرب (11/ 276).
(¬7) قال الإمام النووي في شرح مسلم (8/ 185): الْإِشْعَارُ في الهَدي: هو أَنْ يَجْرَحَهَا في صَفْحَةِ سِنَامِهَا اليُمْنَي بِحَرْبَةٍ أو سِكِّينٍ أو حَدِيدَة، أو نَحْوِهَا، ثم يَسْلُتُ -أي يَمْسَحُ- الدَّمُ عنها، ويجعل ذلك لها علامة تُعرف بها أنها هديٌ.
وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (4/ 363): وفي هذا الحديث مشروعية الإشعار، وفائدته: الإعلام بأنها صارت هديًا؛ ليتبعها من يحتاج إلى ذلك، وحتى لو اختلطت بغيرها تميزت، أو ضَلت عُرِفت، أو عطبت -أي ماتت- عرفها المساكين بالعلامة فأكلوها، مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع، وحث الغير عليه.