كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

النَّاسِ قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بَايِعْ يَا سَلَمَةُ"! قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! في أَوَّلِ النَّاسِ، قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم- "وَأَيْضًا"، قَالَ: وَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَزْلًا -يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ- قَالَ: فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَجَفَةً (¬1) أَوْ دَرَقَةً (¬2)، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ في آخِرِ النَّاسِ، قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَلَا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ! "، قُلْتُ قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ في أَوَّلِ النَّاسِ، وَفِي أَوْسَطِ النَّاسِ، قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وَأَيْضًا"، قَالَ: فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يَا سَلَمَةُ! أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقتُكَ التِي أَعْطَيْتُكَ؟ ".
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرًا عَزِلًا، فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَقَالَ: "إِنَّكَ كَالذِي قَالَ الأَوَّلُ: اللَّهُمَّ! أَبْغِنِي حَبِيبًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي" (¬3).
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الحَافِظُ في الفَتْحِ: أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ يُؤَكِّدَ بَيْعَةَ سَلَمَةَ -رضي اللَّه عنه- لِعِلْمِهِ بِشَجَاعَتِهِ وَعَنَائِهِ في الإِسْلَامِ، وشُهْرَتِهِ بِالثَّبَاتِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِتَكْرِيرِ المُبَايَعَةِ لِيَكُونَ لَهُ في ذَلِكَ فَضِيلَةً (¬4).
¬__________
(¬1) الحَجَفة: بفتح الحاء الترس من الجلود خاصة. انظر النهاية (1/ 333)، لسان العرب (3/ 63).
(¬2) الدرقة: هي الجحفة، وهي ترس من جلود. انظر لسان العرب (4/ 333).
(¬3) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة ذي قرد وغيرها - رقم الحديث (1807).
(¬4) انظر فتح الباري (15/ 111).

الصفحة 307