كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

* رَدُّ أَبِي جَنْدَلٍ -رضي اللَّه عنه-:
وَبَيْنَمَا الكِتَابُ يُكْتَبُ إِذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بنِ سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ (¬1) في قُيُودِهِ مُتَوَشِّحًا (¬2) سَيْفَهُ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أسْفلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ المُسْلِمِينَ، فَلَمَّا رَأَى سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو ابْنَهُ أَبَا جَنْدَلٍ قَامَ إِلَيْهِ فَضَرَبَ وَجْهَهُ وَأَخَذَ بِتَلْبِيبِهِ (¬3)، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ.
فَقَالَ الرَّسُولُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بَعْدُ"، فَقَالَ سُهَيْل: فَوَاللَّهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لم -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فَأَجِزْهُ لِي" (¬4)، قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ، فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بَلَى فَافْعَلْ"، قَالَ سُهَيْلٌ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، فَقَالَ مِكْرَزٌ: بَلَى قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ (¬5).
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ قَالَ سُهَيْل لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عِنْدَمَا جَاءَ أَبُو جَنْدَلٍ يَرْسُفُ في قيُودِهِ-: يَا مُحَمَّدُ! قَدْ لَجَّتِ (¬6) القَضِيَّةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيكَ هَذَا.
¬__________
(¬1) الرسْفُ والرَّسيف: مَشْيُ المقّيد إذا جاء يتحامل برجله مع القيد. انظر النهاية (2/ 202).
(¬2) تَوَشَّح بسيفه: أي لبسه. انظر لسان العرب (15/ 306).
(¬3) يقال: أخذت بتلبيب فلانٍ: إذا جمعتُ عليه ثوبه الَّذي هو لابسه عند صدره ثم جَرَرْتُه. انظر النهاية (1/ 189).
(¬4) أجِزْهُ لي: أعْطِهِ لي. انظر النهاية (1/ 303).
(¬5) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم الحديث (2731) (2732).
(¬6) لَجّت: بفتح اللام وتشديد الجيم: أي وجبت. انظر النهاية (4/ 201).

الصفحة 324