كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
قُلْتُ: هَكَذَا وَقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عُمَرَ -رضي اللَّه عنه- أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَوَّلًا ثُمَّ أَتَى بَعْدَهُ أَبَا بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه-، وَوَقَعَ في مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ (¬1) بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّ عُمَرَ -رضي اللَّه عنه- أتَى أَبَا بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه- أَوَّلًا، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعْدَهُ، وَهَذَا هُوَ الأَوْلَى، ويُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ المَحْفُوظَ، فَإِنَّهُ لَا يُظَنُّ بِعُمَرَ -رضي اللَّه عنه- أَنْ يَقُولَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَوْلًا فَلَا يَرْضَى بِهِ، حَتَّى يَأْتِيَ أبَا بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه- بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَلَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ، أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِلَى عُمَرَ -رضي اللَّه عنه- فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ -رضي اللَّه عنه-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَتْحٌ هُوَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نَعَمْ"، فَطَابَتْ نَفْسُ عُمَرَ -رضي اللَّه عنه- (¬2).
¬__________
= الحديث (2731) (2732) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب صلح الحديبية - رقم الحديث (1785) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (18910) (18928).
فَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (5/ 697): لم يذكر عمر -رضي اللَّه عنه- أنَّه راجَعَ أحدًا في ذلك بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- غير أبي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه-، وذلك لجلالةِ قدره وسعةِ علمه عنده، وفي جواب أبي بكر -رضي اللَّه عنه- لِعُمَرَ بنظيرِ ما أجابه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سواء دلالة على أنَّه كان أكمل الصحابة وأعرفهم بأحوال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأعلمهم بأمور الدين وأشدَّهم موافقة لأمر اللَّه تَعَالَى، وقد وَقَعَ التصريح في هذا الحديث بأن المسلمين استنَكُروا الصُّلْحَ المذكور، وكانوا على رأي عمر -رضي اللَّه عنه- في ذلك، وظهر من هذا الفَصْلُ أن الصديق -رضي اللَّه عنه- لم يكن في ذلك موافقًا لهم، بل كان قلبه علي قلب رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- سواء.
(¬1) رقم الحديث (18910).
(¬2) أخرج ذلك الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الجزية والموادعة - باب (18) - رقم الحديث (3182) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب صلح الحديبية - رقم الحديث (1785).