كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

شَأْنِي وَشَأْنْهُمْ أَتْبَعُهُمْ فَأَرْتَجِزُ (¬1)، حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ ظَهْرِ (¬2) رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي، فَاسْتَنْقَذْتُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلقوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ رُمْحًا، وَأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً (¬3) يَسْتَخِفُّونَ مِنْهَا، وَلَا يُلْقُونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ أَرَامًا (¬4) مِنْ حِجَارَةٍ، يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَأَصْحَاُبهُ، حَتَّى أَتَوْا مُتَضَايِقًا مِنْ ثَنِيَّةٍ (¬5) فَجَلَسُوا يَتَغَدَّوْنَ، وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ (¬6)، فَأَتَاهُمْ عُيَيْنَةُ بنُ بَدْرٍ الفَزَارِيُّ مَدَدًا لَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا هَذَا الذِي أَرَى؟
قَالُوا: لَقِينَا مِنْ هَذَا البَرْحَ (¬7)، مَا فَارَقَنَا بِسَحَرٍ (¬8) حَتَّى الآنَ، وَأَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا، وَجَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَوْلَا أَنَّ هَذَا يَرَى أَنَّ وَرَاءَهُ طَلَبًا لَقَدْ تَرَكَكُمْ، لِيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ، فَقَامَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ، فَصَعَدُوا فِي الجَبَلِ، فَلَمَّا أَسْمَعْتُهُمُ الصَّوْتَ، قُلْتُ: أَتَعْرِفُونِي؟ قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا
¬__________
(¬1) الرجز: بحرٌ من بحور الشعر معروف، ونوع من أنواعه. انظر النهاية (2/ 182).
(¬2) الظهر: الإبل. انظر النهاية (3/ 151).
(¬3) البُردة: نوع من الثياب معروف. انظر النهاية (1/ 116).
(¬4) الَارَامُ: الأعلام وهي حجارة تُجمع وتُنصب في المَفَازَة -أي الصحراء- يُهتدى بها. انظر النهاية (1/ 44).
(¬5) الثَّنِيَّة في الجبل: هو الطريق العالي فيه. انظر النهاية (1/ 220).
(¬6) قَرْن الجبل: بفتح القاف وسكون الراء أعلاه. انظر لسان العرب (11/ 135).
وفي رواية الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (16539) قال سلمة -رضي اللَّه عنه-: ثم علوت الجبل.
(¬7) البَرْحُ: الشدة. انظر النهاية (1/ 113).
(¬8) في رواية الإِمام مسلم في صحيحه قالوا: ما فارقنا منذ غَلَس.
والغَلَس: ظلمة آخر الليل، وهو وقت السحر. انظر النهاية (3/ 339).

الصفحة 389