كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

-رضي اللَّه عنه-، وَعَلَى أَثَرِهِ أَبُو قتَادَةَ فَارِسُ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَعَلَى أَثَرِ أَبِي قتَادَةَ -رضي اللَّه عنه- المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو -رضي اللَّه عنه-، قَالَ: فَوَلَّى المُشْرِكُونَ مُدْبِرِينَ، وَنَزَلْتُ مِنَ الجَبَلِ، فَأَخَذْتُ بِعَنَانِ (¬1) فَرَسِ الأَخْرَمِ، وَقُلْتُ لَهُ: يَا أَخْرَمُ! احْذَرِ القَوْمَ لَا يَقْتَطِعُوكَ حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَأَصْحَاُبهُ، فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتَعْلَمُ أَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ، فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنَانَ فَرَسِهِ، وَلَحِقَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عُيَيْنَةَ، فَأَدْرَكَهُ فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ، فَعَقَرَ الأَخْرَمُ فَرَسَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ (¬2)، فتَحَوَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى فَرَسِ الأَخْرَمِ.
فَلَحِقَ أَبُو قتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، وَغَشَّاهُ (¬3) بُرْدَهُ، ثُمَّ تَحَوَّلَ أَبُو قتَادَةَ عَلَى فَرَسِ الأَخْرَمِ، ثُمَّ لَحِقَ القَوْمَ.
فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ القَتِيلَ مُسَجًّى (¬4) بِبُرْدَةِ أَبِي قَتَادَةَ -رضي اللَّه عنه- اسْتَرْجَعُوا، وَقَالُوا: قُتِلَ أَبُو قتَادَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ: "لَيْسَ بِأَبِي قَتَادَةَ، وَلَكِنَّهُ قَتِيلٌ لِأَبِي قَتَادَةَ وَضَعَ عَلَيْهِ بُرْدَهُ، لِتَعْرِفُوا أَنَّهُ صَاحِبَهُ".
¬__________
(¬1) العَنَان: سَيْر اللجام. انظر النهاية (3/ 283).
(¬2) روى ابن سعد في طبقاته (3/ 52) عن محرز بن نضلة -رضي اللَّه عنه- أنه قال: رأيت في منامي أن سماءَ الدنيا أُفرِجت لي حتى دخلتُها حتى انتهجت إلى السماء السابعة ثم انتهيتُ إلى سدرة المنتهى فقيل في: هذا منزلك، فعرضتها على أبي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه-، وكان مِنْ أعْبَرِ الناس، فقال: أبْشِرْ بالشهادة، فُقتل بعد ذلك بيومٍ في غزوة الغابة، وهي غزوة ذي قَرَد.
(¬3) غشَّاه: بفتح الغين وتشديد الشين أي غطاه. انظر النهاية (3/ 331).
(¬4) مُسَجّى: أي مغطى. انظر النهاية (2/ 310).

الصفحة 391