كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

وَأَدْرَكَ عُكَّاشَةُ بنُ مُحْصِنٍ -رضي اللَّه عنه- أَوْبَارًا (¬1) أَوِ ابْنَهُ عَمْرَو بنَ أَوْبَارٍ، وَهُمَا عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ، فَانْتَظَمَهُمَا بِالرُّمْحِ فَقَتَلَهُمَا جَمِيعًا.
قَالَ سَلَمَةُ -رضي اللَّه عنه-: ثُمَّ إِنِّي خَرَجْتُ أَعْدُو عَلَى رِجْلَيَّ فِي أَثَرِ القَوْمِ حَتَّى مَا أَرَى مِنْ غُبَارِ صَحَابَةِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- شَيْئًا، حَتَّى يَعْدِلُوا (¬2) قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو قَرَدٍ، فَأَرَادُوا أَنْ يَشْرَبُوا مِنْهُ، وَهُمْ عِطَاشٌ، فَأَبْصَرُونِي أَعْدُو وَرَاءَهُمْ، فَعَطَفُوا (¬3) عَنْهُ، فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً، وَاشْتَدُّوا فِي الثَّنِيَّةِ -ثَنِيَّةِ ذِي نَثْرٍ- وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَأَرْمِيهِ، فَقُلْتُ: خُذْهَا
وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ ... وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ
فَأَصَابَهُ بِسَهْمٍ، فَأَصَابَ كَتِفَهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ:
يَا ثُكَلَ أُمِّ (¬4)، أَكْوَعُ بُكْرَةَ (¬5)، فَقَالَ سَلَمَةُ: نَعَمْ يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ، فَأَتْبَعْتُهُ سَهْمًا آخَرًا، فَعَلِقَ بِهِ سَهْمَانِ، ويُخَلِّفُونَ فَرَسَيْنِ، فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطْحِيَّةٍ (¬6) فِيهَا مَذْقَةٌ (¬7) مِنْ لَبَنٍ، وَسَطْحِيَّةٌ فِيهَا
¬__________
(¬1) هذه رواية ابن إسحاق في السيرة (3/ 312) - وفي رواية ابن سعد في طبقاته (2/ 290): أثار، فاللَّه أعلم.
(¬2) عدل: رجع. انظر لسان العرب (9/ 86).
(¬3) عطف: انصرف. انصرف. لسان العرب (9/ 268).
(¬4) ثكِلَتْكَ أُمُّك: أي فقدتك. انظر النهاية (1/ 212).
(¬5) أكوع بكرة: أي أنت الأكوع الذي كان قد تبعنا بُكرة هذا النهار. انظر النهاية (4/ 182).
(¬6) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (12/ 151): السَّطْحِيّة: إناء من جلود سطح بعضها على بعض.
(¬7) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (12/ 151): المَذْقَة: بفتح الميم وإسكان الذال: قليل من لبن ممزوج بماء.

الصفحة 392