كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

مَاءٌ، فَتَوَضَّأْتُ وَشَرِبْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَهُوَ عَلَى المَاءِ الذِي حَلّأتُهُمْ (¬1) عَنْهُ بِذِي قَرَدٍ، فإِذا بِنَبِيِّ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي خَمْسِ مِئةٍ، وَإِذا بِلَالٌ قدْ نَحَرَ جَزُورًا مِمَّا خَلَّفْتُ، فَهُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِنْ كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَلِّنِي فَأَنْتَخِبُ (¬2) مِنْ أَصْحَابِكَ مِئَةَ رَجُلٍ، فَأَتْبَعَ القَوْمَ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ إِلَّا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَكُنْتَ فَاعِلًا ذَلِكَ يَا سَلَمَةُ".
قَالَ -رضي اللَّه عنه-: نَعَمْ، وَالذِي أَكْرَمَكَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ (¬3) فِي ضَوْءَ النَّارِ، ثُمَّ قَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يَا ابْنَ الأَكْوَعِ مَلَكْتَ فَأسْجِحْ (¬4)، إِنَّهُمْ الآنَ لَيُقْرَونَ (¬5) فِي أَرْضِ غَطَفَانَ".
قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ، فَقَالَ: مَرُّوا عَلَى فُلَانٍ الغَطَفَانِيِّ فَنَحَرَ لَهُمْ جَزُورًا، فَلَمَّا أَخَذُوا يَكْشِطُونَ (¬6) جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا، فَقَالُوا: أَتَاكُمُ القَوْمُ، فتَرَكُوهَا وَخَرَجُوا هَارِبِينَ.
¬__________
(¬1) حلأتهم: أي صدَدْتُهم ونَفَيْتُهم عنه، يقصد الذين كان يلحقهم. انظر النهاية (1/ 404).
(¬2) الانتِخَابُ: الاختيار والانتقاء. انظر النهاية (5/ 26).
(¬3) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (12/ 152): النواجذ من الأضراس: أي الأنياب.
(¬4) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (8/ 237): بهمزة قطع وجيم مكسورة: أي سَهّل، والمعنى قدرتَ فاعْفُ، والسَّجَاحَة: السهولة.
(¬5) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (8/ 237): يُقْرَون: بضم الياء وسكون القاف وفتح الراء وسكون الواو من القِرى وهي الضيافة.
وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (3/ 312): قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنهم الآن ليغبقون".
وهو بضم الغين، من الغُبُوقِ وهو شرب أول الليل، والمراد أنهم فاتوا وأنهم وصلوا إلى بلاد قومهم، ونزلوا عليهم، فهم الآن يذبحون لهم ويطعمونهم.
(¬6) كَشَطَ: رفع وقلع وكشف. انظر النهاية (4/ 152).

الصفحة 393