كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
لَتَنْحَرَنَّهَا، فَأتوْا رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَذَكَرُوا ذَلِكَ له، فَقَالَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "سُبْحَانَ اللَّهِ! بِئْسَمَا جَزَتْهَا"، أَوْ قَالَ: "بِئْسَمَا جَزَيْتِيهَا، لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدمَ" (¬1).
قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّد أَبُو شَهْبَة: وَإِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ لترِينَا حُسْنَ العَهْدِ، وَغَايَةَ الوَفَاءِ اللَّذَيْنِ كَانَ يَتَخَلَّقُ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، هَذَا الوَفَاءُ الذِي شَمِلَ بَنِي الإِنْسَانِ وَالحَيَوَانَ، وَقَدْ كَانَ هَذَا دَرْسًا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- هَذه المَرْأَةَ لِيَكُونَ عِبْرَةً لِلْأَجْيَالِ، إِنَّ صَاحِبَ الخُلُقِ العَظِيمِ يُعَلِّمُنَا أَنْ نُقَابِلَ الإِحْسَانَ بِالإِحْسَانِ، وَالجَمِيلَ بِالجَمِيلِ، وَالنِّعَمَ بِالشُّكْرِ، لَا بِالجُحُودِ وَالكُفْرَانِ، وَأَنَّ الوَفَاءَ لَازِمٌ حَتَّى لِلْحَيَوَانِ، وَبَعْدَ أَنْ بَيَّنَ لَهَا الرَّسُولُ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ لَا يَلِيقُ خُلُقًا وَمُرُوءَةً، فَهُوَ لَا يَجُوزُ شَرْعًا، إِذْ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ الإِنْسَانُ (¬2).
* * *
¬__________
(¬1) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب النذر - باب لا وفاء لنذر في معصية اللَّه - رقم الحديث (1641) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (19863) - وابن حبان في صحيحه - كتاب النذور - باب ذكر الإخبار عن نفي جواز وفاء نذر الناذر إذا نذر فيما لا يملك - رقم الحديث (4392).
(¬2) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة (2/ 369) للدكتور محمد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
الصفحة 397