كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

ثَمَانِيَةُ بُرُدٍ (¬1)، وَإِلَيْهَا لَجَأَ يَهُودُ بَنِي قَيْنقاعَ وَالنَّضِيرِ بَعْدَ إِجْلَائِهِمْ مِنَ المَدِينَةِ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ- فَكَانَ لَا يَسْكُنُهَا إِلَّا يَهُودٌ.

* تَجْهِيزُ المُسْلِمِينَ لِلْغَزْوِ وَخُرُوجُهُمْ:
تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِغَزْوِ خَيْبَرَ وَفتحِهَا، وَكَانَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، قَدْ وَعَدَ رَسُولَهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ بِفَتْحِهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} (¬2)، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّجَهُّزِ لِغَزْوِ وَفَتْحِ خَيْبَرَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِنْ عَادَتِهِ إِذَا أَرَادَ غَزْوًا وَرَّى (¬3) بِغَيْرِهِ، إِلَّا فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ، وَغَزَوَةِ تَبُوكَ، أَمَّا غَزْوَةُ خَيْبَرَ فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَهُ بِفَتْحِهَا، وَأَمَّا غَزْوَةُ تبوك، فَلأَنَّ المَسَافَةَ بعيدَةٌ جدًّا، وَلأنَّهَا كَانَتْ مَعَ أَعْظَم دَوْلَةٍ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ وَهِيَ الرُّومُ، فَلَابدَّ مِنْ أَخْذِ الِاسْتِعْدَادِ الكَامِلِ لَهَا.

* رَدُّ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- المُخَلَّفِينَ:
وَلَمَّا تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ عَنْهُ فِي غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُونَ
¬__________
(¬1) البُرد: بضم الباء والراء، وهي ستة عشر فرسخًا، والفرسخ ثلاثة أميال. انظر النهاية (1/ 116).
(¬2) سورة الفتح آية (20) - قال المفسرون في الوعد الذي في هذه الآية: هي خيبر. انظر تفسير ابن كثير (7/ 341) - تفسير القرطبي (19/ 320).
(¬3) ورَّى: بتشديد الراء أي سَتَرَهُ وكَنَّى عنه، وأوهم أنه يريده غيره. انظر النهاية (5/ 155).
روى البخاري في صحيحه - رقم الحديث (4418) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (2769) (54) عن كعب بن مالك -رضي اللَّه عنه- أنه قال: كان رسول -صلى اللَّه عليه وسلم- قَلَّمَا يريد غزْوَةً إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة -أي غزوة تبوك-.

الصفحة 399