كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
بِهَا، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَنَاوَلَ مِنْهَا الذِّرَاعَ فَلَاكَ مِنْهَا مُضْغَةً، فَلَمْ يُسِغْهَا، وَبَسَطَ أَصْحَاُبهُ أَيْدِيَهُمْ، فِيهِمْ: بِشْرُ بنُ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَأَخَذَ مِنْهَا كَمَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَأَمَّا بِشْرٌ فَأَسَاغَهَا (¬1)، وَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَلَفَظَهَا، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنَّ هَذَا العَظْمَ لَيُخْبِرُنِي أنَّهُ مَسْمُومٌ" (¬2).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَنَاوَلَ الذِّرَاعَ فَانْتَهَشَ (¬3) مِنْهَا، وَتَنَاوَلَ بِشْرُ بنُ البَرَاءَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا عَظْمًا فَانْتَهَشَ مِنْهُ، فَلَمَّا اسْتَرَطَ (¬4) رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لُقْمَتَهُ اسْتَرَطَ بِشْرٌ مَا في فَمِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّ هَذِهِ الذِّرَاعَ تُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ"، فَقَالَ بِشْرُ بنُ البَرَاءِ: وَالذِي أَكْرَمَكَ لَقَدْ وَجَدْتُ ذَلِكَ في أَكْلَتِي التِي أَكَلْتُ فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أَلْفِظَهَا إِلَّا أَنِّي أَعْظَمْتُ أَنْ أُنَغِّصَكَ (¬5) طَعَامَكَ، فَلَمَّا أَكَلْتَ مَا فِي فِيكَ، لَمْ أَرْغَبُ بِنَفْسِي عَنْ نَفْسِكَ، وَرَجَوْتُ أَنْ لَا تَكُونَ اسْتَرَطْتَهَا، وَفِيهَا بَغْيٌ (¬6)
¬__________
(¬1) سَاغَ الطعام: نزَلَ في الحلق. انظر لسان العرب (6/ 432).
(¬2) أخرج ذلك ابن إسحاق في السيرة (3/ 367) بدون سند.
(¬3) نهَشَ ينْهَشُ: تنَاوَلَ الشَّيءَ بفمه. انظر لسان العرب (14/ 306).
(¬4) استَرَط: ابْتَلَعَ. انظر لسان العرب (6/ 240).
(¬5) نَغَصَ: لم تَتِمَّ له هَنَاءَته، والنغص: كَدَرُ العَيْشِ. انظر لسان العرب (14/ 219).
(¬6) أخرج ذلك ابن سعد في طبقاته (2/ 351).
الصفحة 456