كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
بَلَغَهُمْ أَنَّهُ قَدْ سَارَ إلى خَيْبَرَ، فَهُمْ يَتَحَسَّسُونَ (¬1) الأَخْبَارَ، وَيَسْألُونَ الرُّكْبَانَ (¬2)، فَلَمَّا رَأَوْني قَالُوا: الحَجَّاجُ عِنْدَهُ وَاللَّهِ الخَبَرُ -وَلَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا بِإِسْلَامِي- أَخْبِرْنَا فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ سَارَ إلى خَيْبرَ.
فَقَالَ الحَجَّاجُ: قَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ، وَعِنْدِي مِنَ الأَخْبَارِ مَا يَسُرُّكُمْ، فَأَطَافُوا بِهِ وَأَمْسَكُوا نَاقتهُ وَهُمْ يَقُولُونَ: إِيهِ (¬3) يَا حَجَّاجُ، فَقَالَ لَهُمْ: هُزِمَ مُحَمَّدٌ هَزِيمَةً لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهَا قَطُّ، وَقُتِلَ أَصْحَابهُ قتلًا لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ قَطُّ، وَأُسِرَ مُحَمَّدٌ، وَقَالَ يَهُودُ خَيْبَرَ: لَا نَقْتُلُهُ حَتَّى نَبْعَثَ بِهِ إلى أَهْلِ مَكَّةَ، فَيَقْتُلُوهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِمَنْ كَانَ أَصَابَ مِنْ رِجَالِهِمْ.
فَقَامُوا وَصَاحُوا بِمَكَّةَ، وَقَالُوا: قَدْ جَاءَكُمُ الخَبَرُ، وَهَذَا مُحَمَّدٌ إِنَّمَا تَنْتَظِرُونَ أَنْ يُقْدَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ، فيقْتَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، فَقَالَ الحَجَّاجُ لَهُمْ: أَعِينُونِي عَلَى جَمْعِ مَالِي بِمَكَّةَ، وَعَلَى غُرَمَائِي، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقْدُمَ خَيْبرَ، فَأَشْتَرِيَ مِنْ فَلِّ (¬4) مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَنِي التُّجَّارُ إلى مَا هَنَالِكَ.
قَالَ الحَجَّاجُ: فَجَمَعُوا لِي مَالِي كَأَحَثِّ جَمْعٍ سَمِعْتُ بِهِ، وَجِئْتُ امْرَأَتِي
¬__________
(¬1) تحسَّس الخبر: تطلَّبه وتبخَثه. انظر لسان العرب (3/ 170).
ومنه قوله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام في سورة يوسف آية (78): {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ. . .}
(¬2) الرُّكبان: بضم الراء المشدده: أصحاب الإبل. انظر لسان العرب (5/ 29).
(¬3) إِيهِ: هذه كلمة يُراد بها الاستزادة. انظر النهاية (1/ 87).
(¬4) الفَلُّ: القوم المنهزمون. انظر النهاية (3/ 425).
الصفحة 480