كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

فَقُلْتُ لَهَا: اجْمَعِي لِي مَا كَانَ عِنْدَكِ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْ فَلِّ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ قَدِ اسْتُبِيحُوا، وَأُصِيبَتْ أَمْوَالُهُمْ. وَفَشَا (¬1) ذَلِكَ في مَكَّةَ، وَأَظْهَرَ المُشْرِكُونَ الفَرَحَ وَالسُّرُورَ، وَانْقَمَعَ (¬2) مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ.

* مَوْقِفُ العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ -رضي اللَّه عنه-:
وَبَلَغَ الخَبَرُ العَبَّاسَ بنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ -رضي اللَّه عنه-، فَعَقِرَ (¬3) في مَجْلِسِهِ، وجَعَلَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ، فَأَخَذَ ابْنًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: قُثَمٌ، وَكَانَ يُشْبِهُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَاسْتَلْقَى، فَوَضَعَهُ عَلَى صَدْرهِ وَهُوَ يَقُولُ:
حِبِّي قُثَمْ حِبِّي قُثَمْ ... شَبِيهَ ذِي الأَنْفِ الأَشَمّ
نَبِيَّ رَبٍّ ذِي النِّعَمْ ... بِرَغْمِ أَنْفِ مَنْ رَغَمْ (¬4)
ثُمَّ أَرْسَلَ العَبَّاسُ -رضي اللَّه عنه- غُلَامًا له إلى الحَجَّاجِ بنِ عِلَاطٍ، فَقَالَ: وَيْلَكَ، مَا جِئْتَ بِهِ، وَمَاذَا تَقُولُ؟ فَمَا وَعَدَ اللَّهُ خَيْرًا مِمَّا جِئْتَ بِهِ.
فَقَالَ الحَجَّاجُ بنُ عِلَاطٍ لِغُلَامِهِ: اقْرَأْ عَلَى أَبِي الفَضْلِ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ:
¬__________
(¬1) فَشَا: أي انتَشَرَ. انظر النهاية (3/ 403).
(¬2) انقَمَعَ: أي تغَيَّبَ ودخل في بيته. انظر النهاية (4/ 95).
(¬3) العَقر: أن تُسْلِمَ الرجلَ قوائِمُه من الخوف، وقيل: هو أن يفجَأه الروع فيُدهش ولا يستطيع أن يتقدَّم أو يتأخر. انظر النهاية (3/ 247).
(¬4) قال الإِمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (2/ 96): ولم يَزَل العباس مشفقًا على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، مُحِبًّا له، صابرًا على الأذى، ولم يُسْلِمْ بعدُ، بحيث إنه ليلة العَقَبَةِ عرف، وقام مع ابن أخيه في الليل، وتوثق له من السبعين.

الصفحة 481