كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
* رَمَلُ المُسْلِمِينَ:
فَاسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ (¬1) وَاضْطَبَعَ (¬2) بِثَوْبِهِ، ثُمَّ شَرَعَ فِي الطَّوَافِ، وَكَانَ أَشْرَافُ قُرَيْشٍ لَمَّا سَمِعُوا بِقُدُومِ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَمَنْ مَعَهُ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ إلى رُؤُوسِ الجِبَالِ غَيْظًا وَحَسَدًا، وَبِسَبَبِ مَا أَشَاعُوهُ مِنْ أَنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ أَصَابَتْهُمُ الحُمَّى فَأَوْهَنَتْهُمْ (¬3)، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَصْحَابَهُ بِالرَّمَلِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الحُمَّى (¬4)، قَالَ: فَأَطْلَعَ اللَّهُ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَى ذَلِكَ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا (¬5)، وَقَعَدَ
¬__________
(¬1) المِحْجَن: عصا معقفة الرأس. انظر النهاية (1/ 353).
(¬2) الاضْطِبَاع: هو أن يأخذ الإزارُ، فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن، ويُلقي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره وظهره، وسُمي بذلك لإبداء الضبعين. انظر النهاية (3/ 68).
والضَّبُعُ: هو العَضُد. انظر لسان العرب (8/ 16).
(¬3) وهنتهم: أي أضعفتهم. انظر فتح الباري (8/ 297).
(¬4) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (1602): حُمّى يثرب.
قال الحافظ في الفتح (4/ 269): ويؤخذ منه: جواز إظهار القوة بالعدة والسلاح ونحو ذلك للكفار إرهابًا لهم، ولا يعد ذلك من الرياء المذموم.
(¬5) في روايةِ ابن إسحاق في السيرة (4/ 18) قال رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رحِمَ اللَّه امرأً أراهم اليوم من نفسه قُوَّة".
وفي رواية الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (2782) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (3812) - بسند صحيح - قال رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يَرى القوم فيكم غَمِيزة" والغميزة بفتح الغين: أي ضعف. انظر لسان العرب (1/ 120).
قال الإِمام ابن قدامة في المغني (5/ 217 - 220): الرَّمَلُ سُنَّة في الأشواط الثلاثة =