كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (¬1).
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- المَدِينَةَ وَهُمْ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، وَيَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (¬2).
فَقَالَ النَّاسُ: مَا حُرِّمَ عَلَيْنَا، إِنَّمَا قَالَ: {فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} وَكَانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ مِنَ الأَيَّامِ، صَلَّى رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، أَمَّ أَصْحَابَهُ فِي المَغْرِبِ، خَلَطَ فِي قِرَاءَتِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا آيَةً أَغْلَظَ مِنْهَا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} (¬3)، فَكَانَ النَّاسُ يَشْرَبُونَ حَتَّى يَأْتِيَ أَحَدُهُمُ الصَّلَاةَ وَهُوَ مُفِيقٌ.
ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةٌ أَغْلَظُ مِنْ ذَلِكَ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ
¬__________
(¬1) سورة المائدة آية (90) - وانظر في ظلال القرآن لسيد قطب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (2/ 974).
(¬2) سورة البقرة آية (219).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (1/ 579): أما إثمُهُمَا فهو في الدِّين، وأما المنافع فدُنيوية، من حيث إِنَّ فيها نفع البدن، وتهضيمُ الطعام، وإخراجُ الفَضَلات، وتشحيذ -أي تحرك- بعض الأذهان، ولذة الشدة المُطربة التي فيها، وكذا بيعها والاتفاع بثمنها، وما كان يُقمِّشه -أي يجمعه- بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله، ولكن هذه المصالحُ لا تُوَازي مضَرَّته ومفسدته الراجحة؛ لتعلقها بالعقل والدين.
(¬3) سورة النساء آية (43).

الصفحة 553