كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

* تَوْدِيعُ النَّاسِ الجَيْشَ:
وَلَمَّا تَهَيَّأَ الجَيْشُ الإِسْلَامِيُّ لِلْخُرُوجِ وَدَّعَ النَّاسُ أُمَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَسَلَّمُوا عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَهَا بَكَى عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ -رضي اللَّه عنه-، فَقَالُوا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ؟
قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا بِي حُبُّ الدُّنْيَا وَلَا صَبَابَةٌ (¬1) بِكُمْ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، يَذْكُرُ فِيهَا النَّارَ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} (¬2)، فَلَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصَّدْرِ (¬3) بَعْدَ الوُرُود (¬4).
فَقَالَ المُسْلِمُونَ: صَحِبَكُمُ اللَّهُ، وَدَفَعَ عَنْكُمْ، وَرَدَّكُمْ إِلَيْنَا صَالِحِينَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحة -رضي اللَّه عنه-:
لَكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً ... وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا (¬5)
أَوْ طَعْنَةً بِيَدِي حَرَّانَ مُجْهِزَةً (¬6) ... بِحَرْبَةٍ تَنْفُذُ الأَحْشَاءَ وَالكَبِدَا
¬__________
(¬1) الصَبَابة: بفتح الصاد: الشوق. انظر لسان العرب (7/ 270).
(¬2) سورة مريم آية (71).
(¬3) الصَّدَرُ: الرجوع. انظر لسان العرب (7/ 301).
(¬4) يُقال: ورد فلان: أي حضر. انظر لسان العرب (15/ 268).
(¬5) ضربة ذات فرغ: أي واسعة يسيل دمها. انظر لسان العرب (10/ 241).
الزبد: بفتح الزاي والباء رغوة الدم. انظر لسان العرب (6/ 9).
(¬6) الحَرَّان: الفارس. انظر لسان العرب (3/ 145).
مجهِزَة: أي سريعة القتل. انظر النهاية (1/ 310).

الصفحة 586