كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
وَقَالُوا: جَاءَهُمْ مَدَدٌ، فَلَمَّا حَمَلَ خَالِدٌ -رضي اللَّه عنه- عَلَيْهِمْ هَزَمَهُمُ اللَّهُ أَسْوَأَ هَزِيمَةٍ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ أَعْدَادًا كَبِيرَةً، ثُمَّ انْحَازَ خَالِدٌ -رضي اللَّه عنه- وَانْسَحَبَ بِجَيْشِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى انْصَرَفَ إِلَى المَدِينَةِ، وَلَمْ يُصَبْ فِي جَيْشِهِ أَحَدٌ خِلَالَ هَذَا الِانْسِحَابِ (¬1).
وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا قَائِدٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْقِذَ هَذِهِ القَبْضَةَ مِنَ الرِّجَالِ -بَقِيَّةَ الثَّلَاثَةِ آلَافٍ- مِنْ وَسَطِ هَذَا اللَّجِّ (¬2)، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأُعْجُوبَةٍ، وَقَدْ أَتَى بِهَا خَالِدٌ، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ لُجَّةِ (¬3) البَحْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْتَلَّ، وَأَنْ يَنْسَحِبَ مِنْ وَسَطِ اللَّهَبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَرِقَ، وَأَنْ يُسَجِّلَ لِلذَّكَاءَ العَرَبِيِّ الذِي هَذَّبَهُ الإِسْلَامُ، هَذِهِ المَنْقَبَةَ فِي تَارِيخِ الحُرُوبِ (¬4).
* قِصَّةُ المَدَدِيِّ (¬5):
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ مُبَاشَرَةَ المُسْلِمِينَ القِتَالَ قَبْلَ الِانْسِحَابِ، مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ -وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ- عَنْ عَوْفِ بنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مَعَ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ -رضي اللَّه عنه- مِنَ الْمُسْلِمِينَ،
¬__________
(¬1) انظر سيرة ابن هشام (2714) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (4/ 446) - البداية والنهاية (4/ 639).
(¬2) اللَّجُّ: الابتلاء. انظر لسان العرب (12/ 239).
(¬3) لُجَّة البحر: معظمه. انظر النهاية (4/ 201).
(¬4) انظر كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص 47.
(¬5) المَدَد: هم الأعوان والأنصار الذين كانوا يمدون المسلمين في الجهاد. انظر النهاية (4/ 263).
الصفحة 598