كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وَرَافَقَنِي مَدَدِيٌّ مِنْ اليَمَنِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ سَيْفِهِ، فنَحَرَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ جَزُورًا (¬1)، فَسَأَلَهُ المَدَدِيُّ طَائِفَةً مِنْ جِلْدِهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَاتَّخَذَهُ كَهَيْئَةِ الدَّرَقِ (¬2)، وَمَضَيْنَا فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ أَشْقَرُ، عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذَهَّبٌ، وَسِلَاحٌ مُذَهَّبٌ، فَجَعَلَ الرُّومِيُّ يَفْرِي (¬3) بِالمُسْلِمِينَ، فَقَعَدَ لَهُ المَدَدِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ، فَمَرَّ بِهِ الرُّومِيُّ، فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ، فَخَرَّ، وَعَلَاهُ فَقتَلَهُ، وَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ، فَلَمَّا فتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ بَعَثَ إِلَيْهِ خَالِدُ بنُ الوَليدِ، فَأَخَذَ مِنْهُ السَّلَبَ، قَالَ عَوْفٌ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا خَالِدُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟
قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ.
قُلْتُ: لَتَرُدَّنَّهُ إِلَيْهِ، أَوْ لَأُعَرِّفَنَّكَهَا (¬4) عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ.
قَالَ عَوْفٌ: فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ المَدَدِيِّ، وَمَا فَعَلَ خَالِدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يَا خَالِدُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ ".
¬__________
(¬1) الجَزُور: البعير ذكرًا كان أو أنثى. انظر النهاية (1/ 258).
(¬2) الدَّرَقة: هي الترس تتخذ من جلود ليس فيها خشب ولا عقب. انظر لسان العرب (4/ 333).
(¬3) يَفري: أي يبالغ في النكاية والقتل. انظر النهاية (3/ 396).
(¬4) لأعرفنَّكها: أي لأجازِيَنَّك بها حتى تعرف سوء صَنِيعك، وهي كلمةٌ تقال عند التهديد والوعيد. انظر النهاية (3/ 197).
الصفحة 599