كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)

سَرِيَّةُ ذاتِ السَّلاسِلِ (¬1)
وَكَانَ سَبَبُ هَذِهِ السَّرِيَّةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَلَغَهُ أَنَّ جَمْعًا مِنْ قُضَاعَةَ، وَهُمْ بلِي (¬2)، وعُذْرَةَ (¬3)، وبَنو القيْنِ، قَدْ تَجَمَّعُوا يُرِيدُونَ الإِغارَةَ عَلى أَطْرَافِ المَدِينَةِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَمْرَو بنَ العَاصِ -رضي اللَّه عنه-، فَبَعَثَهُ إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ (¬4).
قَالَ عَمْرُو بنُ العَاصِ -رضي اللَّه عنه-: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يَا عَمْرُو، اشْدُدْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ وَثِيَابَكَ، ثُمَّ ائْتِنِي".
قَالَ عَمْرٌو: فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَصَعَّدَ فِيَّ النَّظَرَ، ثُمَّ طَأْطَأَهُ (¬5) فَقَالَ: "يَا عَمْرُو، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ، فَيُسَلِّمَكَ اللَّهُ وَيُغْنِمُكَ، وَأَزْعَبُ (¬6) لَكَ مِنَ المَالِ زَعْبَةً صَالِحَةً".
فَقَالَ عَمْرٌو -رضي اللَّه عنه-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَمْ أُسْلِمْ رَغْبَةً فِي المَالِ، إِنَّمَا
¬__________
(¬1) السلاسِلُ: هو ماءٌ بأرض جذام، وبه سميت الغزوة. انظر النهاية (2/ 350).
(¬2) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (8/ 403): بَليّ: بفتح الباء وكسر اللام الخفيفة.
(¬3) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (8/ 403): عُذْرة: بضم العين وسكون الذال.
(¬4) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 315) - سيرة ابن هشام (4/ 280).
(¬5) طأطأ رأسه: خفض رأسه. انظر لسان العرب (8/ 113).
(¬6) أزْعَبُ: أي أعطيكَ دُفعة من المال، وأصل الزعب: الدفع والقَسْم. انظر النهاية (2/ 274).

الصفحة 611