كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
بنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى نزلَ في القُرْآنُ: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} (¬1).
فَلَمَّا خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِزَيْدِ بنِ حَارِثَةَ -رضي اللَّه عنه- ظَنَّتْ أَنَّهُ يُرِيدُهَا لِنَفْسِهِ -رضي اللَّه عنه-، فَلَمَّا عَلِمَتْ أَنَّهُ يُرِيدُهَا لِزَيْدٍ أَبَتْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ لِزَيْدِ بنِ حَارِثَةَ -رضي اللَّه عنه-، فَاسْتَنْكَفَتْ (¬2) مِنْهُ، وَقَالَتْ: أَنِا خَيْرٌ مِنْهُ حَسَبًا، وَكَانَتِ امْرَأَةً فِيهَا حِدَّةٌ (¬3)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} (¬4).
فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: قَدْ رَضِيتَهُ لِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْكَحًا (¬5)؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَتْ: إِذَنْ لَا أَعْصِي رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قَدْ أَنْكَحْتُهُ نَفْسِي (¬6).
¬__________
(¬1) سورة الأحزاب آية (5) - والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} - رقم الحديث (4782) - وأخرجه مسلم - كتاب الفضائل - باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - رقم الحديث (2425).
(¬2) اسْتَنْكَفَ عن الأمر: امتَنَعَ. انظر لسان العرب (14/ 286).
ومنه قوله تعالى في سورة النساء آية (172): {. . وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا}.
(¬3) الحِدَّة: ما يعتري الإنسان من الغَضَب. انظر لسان العرب (3/ 80).
(¬4) سورة الأحزاب آية (36) - والخبر أورده الإمام ابن جرير الطبري رحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (10/ 301).
(¬5) مَنكحًا: أي زوجًا. انظر النهاية (5/ 100).
(¬6) انظر تفسير الطبري (10/ 301).
الصفحة 68