كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ الحِجَابِ (¬1).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى المَنَاصِعِ (¬2) -وَهُوَ صَعِيدٌ (¬3) أفيحُ (¬4) - فَكَانَ عُمرُ -رضي اللَّه عنه- يقُولُ للنَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: احْجِبْ (¬5) نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَفْعَلُ.
فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ -رضي اللَّه عنها- زَوْجُ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، عِشَاءً (¬6)،
¬__________
(¬1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب سورة الأحزاب - رقم الحديث (4790) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (157).
(¬2) المَنَاصِعُ: هي المواضع التي يُتخَلَّى فيها لقضاء الحاجة. انظر النهاية (5/ 56).
(¬3) الصَّعِيدُ: وجهُ الأرض. انظر جامع الأصول (2/ 323).
(¬4) أفْيَحُ: كل موضعٍ وَاسع. انظر النهاية (3/ 436).
(¬5) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (1/ 335): أي امنعهُنَّ من الخروج من بيوتهن، بدليل أن عمر -رضي اللَّه عنه- بعد نزول آية الحجاب قال لسودة: ألا قد عَرَفْنَاكِ يا سَوْدَة.
ويحتمل أن يكون أراد أوَّلًا الأمر بسَتْرِ وجوهِهِنَّ، فلما وقع الأمر بوفق ما أراد أحب أيضًا أن يحجب أشخاصهن مبالغة في التَّسَتُّرِ فلم يجب لأجل الضرورة، وهذا أظهَرُ الاحتمالين.
(¬6) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (4795) - ومسلم - رقم الحديث (2170) (17): قالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: خرَجَتْ سودَةُ بعدَمَا ضُرِبَ الحِجَاب لحاجتها.
قال الكرماني فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (9/ 488): وقع هنا أنه كان بعدما ضُرِبَ الحجاب، وتقدم في الوُضُوء - من صحيح البخاري - أنه كان قبل الحجاب، فالجواب: لعله وقع مرَّتين.
وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (9/ 488): بل المراد بالحِجَاب الأول غير الحجاب الثاني، والحاصل أن عمر -رضي اللَّه عنه- وقع في قلبه نَفْرَة من اطلاع الأجانب علي الحَرِيمِ النبوي، حتى =