كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (اسم الجزء: 3)
وَكَانَتْ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فنَادَاهَا عُمَرُ -رضي اللَّه عنه-: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجَابِ (¬1).
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى، وَالبُخَارِيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ آكُلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَيْسًا (¬2) في قَعْبٍ (¬3)، فَمَرَّ عُمَرُ -رضي اللَّه عنه-، فَدَعَاهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَأَكَلَ، فَأَصَابَتْ إِصْبَعُهُ إِصْبَعِي، فَقَالَ: حَسِّ (¬4)، لَوْ أُطَاعَ فِيكُنَّ مَا رَأَتْكُنَّ عَيْنٌ، فنَزَلَ الحِجَابُ (¬5).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَيُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ قِصَّةِ زَيْنَبَ، فَلِقُرْبِهِ مِنْهَا أُطْلِقَتْ نُزُولُ الحِجَابِ بِهَذَا السَّبَبِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الأَسْبَابِ (¬6).
¬__________
= صَرّح بقوله له -صلى اللَّه عليه وسلم-: -احجب نساءك-، وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب، ثم قَصَدَ بعد ذلك أن لا يُبدِينَ أشخاصهن أصلًا، ولو كنّ مُسْتَتِرَاث، فبالغ في ذلك، فمنع منه، وأذن لهن في الخروج لحاجتهن دفعًا للمشقَّة ورفعًا للحرج.
(¬1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الوضوء - باب خروج النساء إلى البراز - رقم الحديث (146) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب السلام - باب إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان - رقم الحديث (2170) (18).
(¬2) الحَيْسُ: هو الطعام المُتَّخَذُ من التمر والأقِطِ والسَّمْن. انظر النهاية (1/ 449).
(¬3) القَعْبُ: هو القَدَح الضخم، الغليظ. انظر لسان العرب (11/ 235).
(¬4) حَسِّ: بكسر السين والتشديد: كلمة يقولها الإنسان إذا أصابَهُ ما مَضَّهُ وأحرَقَهُ غَفْلَةً، كالجَمْرَةِ والضَّرْبَةِ، ونحوهما. انظر النهاية (1/ 370).
(¬5) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب سورة الأحزاب - رقم الحديث (11355) - والبخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (808).
(¬6) انظر فتح الباري (9/ 488).